حين يُطلب نزع سلاح غزة وتُطلق يد إسرائيل

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: عماد وليد كباجة
ما جرى في غزة اليوم لا يمكن فصله، من وجهة نظري، عما جرى بالأمس في المسار السياسي المتعلق بمجلس السلام والخطة الأميركية. فبينما كان الحديث يدور عن نزع سلاح غزة ووضع آليات لتنفيذه، كانت الرسالة الأهم التي خرجت من هذا المسار هي أن إسرائيل ستحتفظ بما تسميه «حق الدفاع عن النفس»، وهو ما يعني عمليًا أن العمليات العسكرية الإسرائيلية لم تُغلق أبوابها بالتوازي مع الحديث عن السلام. وقد أكد جاريد كوشنر أن واشنطن لن تقيد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، في وقت تركز فيه الخطة بصورة أساسية على نزع سلاح حماس.
ولهذا، فإن ما حدث اليوم من استهداف إسرائيلي في غزة وسقوط شهداء وجرحى، ومن بينهم ضحايا في منطقة الميناء، يبدو وكأنه الترجمة العملية لما قيل بالأمس. فبمجرد أن تعتبر إسرائيل أن هناك «تهديدًا» لأمنها، يصبح بإمكانها استخدام القوة والاغتيال والقصف تحت عنوان الدفاع عن النفس، بينما يُطلب من غزة في المقابل أن تتخلى عن سلاحها.
وهنا تكمن خطورة المعادلة التي يُراد فرضها.
فأي سلام هذا الذي يبدأ بتجريد طرف واحد من قدرته على الدفاع عن نفسه، بينما يُترك الطرف الآخر محتفظًا بالقدرة العسكرية الكاملة وبالحق الذي يعرّفه بنفسه في استخدام القوة؟
إن مجلس السلام، من وجهة نظري، لم يعد يستطيع الاختباء خلف عبارات عامة عن إنهاء الحرب وإعادة الإعمار. فما أُعلن بالأمس، وما جرى اليوم على الأرض، يضع المجلس أمام اختبار حقيقي لمصداقيته.
إذا كان المجلس قد وافق على معادلة يكون فيها نزع سلاح غزة مسارًا ملزمًا، بينما تبقى لإسرائيل حرية التحرك العسكري متى قالت إن أمنها مهدد، فإن المجلس بذلك لا يكون قد وضع أسس السلام، وإنما يكون قد وضع أسس إدارة الصراع وفق ميزان قوة مختل.
والأخطر أن هذه ليست مجرد قراءة لما قد يحدث مستقبلًا؛ بل إن الوقائع بدأت تعطي مؤشرات عليها. ففي الوقت الذي أعلن فيه مجلس السلام أنه ينسق مع إسرائيل وحماس لوضع آليات نزع السلاح، استمرت الغارات الإسرائيلية وسقط فلسطينيون جدد.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل وظيفة مجلس السلام هي فقط ضمان ألا تشكل غزة تهديدًا لإسرائيل، أم أن مهمته أيضًا ضمان ألا تستمر إسرائيل في قتل الفلسطينيين تحت العنوان ذاته؟
من وجهة نظري، فإن تجاهل السؤال الثاني يعني أن المجلس ينظر إلى القضية بعين واحدة. عين ترى السلاح الفلسطيني باعتباره المشكلة الأساسية، لكنها لا ترى القوة الإسرائيلية عندما تتحول إلى قصف واغتيالات واستهداف للمدنيين.
وهذا هو الخلل الجوهري.
فالسلام لا يمكن أن يكون نزع سلاح طرف، مع إبقاء الطرف الآخر قادرًا على استخدام القوة متى شاء وتحت أي تعريف يضعه هو لمفهوم «الخطر». وإذا لم تكن هناك ضمانات واضحة وملزمة لوقف الاغتيالات والاستهدافات، فإن نزع السلاح لن يقود بالضرورة إلى إنهاء الحرب، بل قد يجعل غزة أكثر عرضة للقوة الإسرائيلية.
لذلك أرى أن الدول المنخرطة في مجلس السلام مطالبة اليوم بموقف واضح وجاد، لا بمجرد بيانات دبلوماسية. عليها أن تسأل: هل ما يجري يتوافق فعلًا مع الهدف المعلن للمجلس، أم أن المجلس بدأ ينحرف باتجاه ترتيب غزة أمنيًا بما يخدم الرؤية الإسرائيلية؟
إن مصداقية المجلس أصبحت على المحك. وإذا كان الهدف الحقيقي هو إنهاء معاناة الفلسطينيين، فإن المطلوب ليس فقط وضع جدول زمني لنزع السلاح، بل وضع ضمانات متزامنة وملزمة لوقف القتل والاغتيالات والعمليات العسكرية.
أما أن يُطلب من غزة أن تنزع سلاحها، بينما تبقى إسرائيل صاحبة اليد الأقوى والأكثر قدرة على استخدام القوة، فهذه ليست معادلة سلام متوازن.
إنها، في جوهرها، معادلة لإدارة الصراع من موقع قوة.
ولهذا فإن ما حدث اليوم يجب ألا يُقرأ باعتباره حادثًا منفصلًا، بل باعتباره اختبارًا لما تم الاتفاق عليه أو التفاهم بشأنه بالأمس. فإذا كان الاتفاق قد فتح لإسرائيل المجال لمواصلة عملياتها تحت عنوان الدفاع عن النفس، فإن «مجلس السلام» يكون قد ساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في خلق بيئة تسمح باستمرار القتل بدل إنهائه.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس فقط: متى ستنزع غزة سلاحها؟
بل السؤال الأهم: من سيمنع إسرائيل من استخدام قوتها بعد نزع سلاح غزة؟
فإذا لم تكن هناك إجابة واضحة وملزمة، فإن الحديث عن السلام سيبقى مجرد عنوان، بينما تستمر الحرب بأدوات جديدة.





