غزة.. لا أحد ينجو كاملا

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: ابراهيم محمد
في غزة، لم تعد النجاة نقيض الموت تماما، فقد يخرج الإنسان من تحتالركام حيا، لكنه يخرج منه وقد فقد بيته، وقد ينجو طفل من القصف، لكنهيفقد مدرسته، وأصدقاءه، وملامح الحي الذي كان يعرفه، وقد تستيقظ أم فيصباح جديد وهي على قيد الحياة، ثم تكتشف أن الحياة التي كانت تعرفهالم تعد موجودة.
لهذا، ربما يكون السؤال الأكثر قسوة في غزة ليس، كم شخصا مات؟، بلماذا فعلت الحرب بمن بقي حيا؟.
فالأرقام هنا مهمة، لأنها تمنح المأساة حجمها وتمنع الموت من التحول إلىخبر عابر، لكن الأرقام لا تقول كل شيء، ولا تخبرنا ماذا يعني أن ينام طفلفي خيمة بعدما كان له بيت، وأن تبحث أسرة كل صباح عن الماء، وأن يتحولالوصول إلى دواء أو طعام أو مكان آمن إلى معركة يومية.
ولا تقول لنا الأرقام أيضا أن بعض الذين نجوا من القصف يعيشون منذشهور وسنوات داخل حرب أخرى، أقل صخبا من القصف، لكنها أكثرامتدادا، حرب مع الخوف، والفقد، والفقر، والنزوح، والانتظار.
وفي غزة، لم تعد الحرب حدثا يقع في يوم محدد وينتهي بانتهاء الغارة، لقدأصبحت واقعا ينساب إلى تفاصيل الحياة اليومية، إلى الطعام، والماء، والنوم، والتعليم، والعمل، والعلاقات الأسرية، وحتى إلى الطريقة التي ينظربها الإنسان إلى الغد.
فالنجاة نفسها أصبحت عبئا، وحين يفقد الإنسان منزله، لا يخسر الجدرانفقط، بل يخسر المكان الذي كان يحتفظ فيه بصوره وذكرياته وملابسهوخصوصيته وتفاصيل حياته الصغيرة، وحين يهدم الحي، لا يختفي الحجروحده، بل تختفي معه شبكة كاملة من العلاقات التي كانت تمنح المكانمعناه.
لهذا، فإن عبارة نجا من القصف، تبدو أحيانا ناقصة، فهو نجا من ماذاتحديدا؟ من الموت الجسدي، ربما، لكن ماذا عن الخوف الذي بقي فيجسده؟، وماذا عن صوت الانفجار الذي يستمر في رأسه بعد توقفه؟ وماذاعن الطفل الذي يرتجف كلما سمع طائرة؟ وماذا عن الأم التي لا تستطيعالنوم لأنها تخشى أن يأتي الصباح بخبر جديد؟.
فالحرب لا تحتاج إلى قتل الإنسان كي تترك أثرها فيه، فيكفي أن تجعلهيعيش طويلا وهو لا يعرف أين سيكون غدا.
وفي غزة، أصبح الانتقال من مكان إلى آخر جزءا من حياة مئات الآلاف، فالخيمة تحولت إلى منزل، والمدرسة إلى مأوى، والطريق إلى مكان مجهول، وتتغير العناوين باستمرار، بينما يحمل الناس معهم ما استطاعوا إنقاذه منحياتهم القديمة.
لكن هناك أشياء لا يمكن حملها، فلا يمكن لأسرة أن تحمل بيتها في حقيبة، ولا يستطيع طفل أن يحمل مدرسته معه، ولا يمكن للأب أن يأخذ معه متجرهأو ورشته أو مصدر رزقه، ولا تستطيع الأم أن تستعيد بسهولة الإحساسبالأمان الذي كان يبدو قبل الحرب أمرا عاديا لا يحتاج إلى تفكير.
لهذا، فإن النزوح ليس مجرد انتقال جغرافي، إنه اقتلاع بطيء من الحياة، والأكثر قسوة أن كثيرا من الناجين يجدون أنفسهم أمام سؤال آخر، كيفيعيش المرء بعد أن يخسر أسباب الحياة الطبيعية؟.
فالعمل يتوقف، والدخل ينقطع، والأسعار ترتفع، والاحتياجات تتضاعف، والموارد تتقلص، وفي هذه المساحة الضيقة بين الحاجة والعجز، تتآكل قدرةالأسرة على الاحتمال.
فالرجل الذي كان يعمل لإعالة أسرته قد يصبح بلا عمل، والمرأة التي كانتتدير بيتها قد تصبح مسؤولة عن تأمين الماء والطعام والدواء، والطفل الذيكان يفكر في الامتحان أو كرة القدم أو أصدقائه، قد يصبح منشغلا بمكانالنوم أو بما إذا كان سيجد وجبة في نهاية اليوم، فالحرب تغير ترتيبالأولويات.
وفي الحياة الطبيعية، يحلم الإنسان بالمستقبل، وفي الحرب، قد يصبح حلمهأكثر تواضعا، يوم هادئ، ليلة بلا قصف، ماء نظيف، دواء متوفر، وجبة تكفيالأطفال، وهنا تكمن إحدى أكثر خسائر الحرب خفاء، وهي انكماش الحلم.
فليس المطلوب من الناس في غزة أن يحلموا بقليل، لكن الحرب تدفعهم إلىذلك، فالطفل كان يمكن أن يسأل، ماذا سأصبح عندما أكبر؟ قد يسأل بدلامن ذلك، هل سنبقى هنا غدا؟ وشاب كان يخطط لمهنته ومستقبله قد ينشغلبكيفية تأمين قوت يومه، وأم كانت تخطط لتعليم أطفالها قد تجد نفسها تبحثعن مكان أكثر أمانا لهم، فالحرب لا تقتل المستقبل دفعة واحدة، أحيانا تفعلذلك عبر تأجيله يوما بعد آخر.
ثم هناك التعليم، أحد أكثر القطاعات التي تدفع ثمن الحرب طويلا، فالطفلالذي ينقطع عن المدرسة لا يخسر درسا فحسب، إنه يخسر مساحة للتعلموالتفاعل والانضباط والحلم، وكلما طال الانقطاع، أصبح تعويض ما فاتأكثر صعوبة.
لكن الخطر الأكبر ربما يكمن في أن جيلا كاملا قد يعتاد على فكرة أنالحياة الطبيعية ليست حقا، بل استثناء، وهذه فكرة خطيرة.
فالطفولة ليست مكانا ينتظر فيه الطفل انتهاء الحرب، والحق في التعليم ليسرفاهية يمكن تأجيلها إلى أجل غير معلوم، والحق في النوم دون خوف ليسامتيازا، إنها حقوق أساسية.
وفي الجانب الآخر، هناك الصحة التي لا تظهر دائما في صور الركام، مريض يحتاج إلى علاج منتظم، طفل ينتظر متابعة طبية، شخص يعيشبإعاقة يحتاج إلى رعاية وتأهيل، امرأة تحتاج إلى خدمات صحية، أو مصابيحتاج إلى علاج طويل، هؤلاء قد لا يظهرون في الأخبار، لكن الحرب بالنسبةإليهم لا تتوقف.
إن انهيار الخدمات وصعوبة الوصول إليها قد يحول مرضا قابلا للعلاج إلىمعاناة أطول، وقد يجعل إصابة بسيطة أكثر تعقيدا، وقد يدفع الأسر إلىالاختيار بين احتياجات لا ينبغي أصلا أن تتنافس.
ثم تأتي الصحة النفسية، وهي الجرح الذي يصعب تصويره، فيمكن تصويربيت مدمر، لكن كيف نصور الخوف؟، وكيف نلتقط في صورة واحدة طفلا لميعد يشعر بالأمان؟، وكيف نقيس أثر فقدان أحد الوالدين؟، وكيف نحسبثمن ليلة طويلة قضاها الإنسان وهو ينتظر أن يتوقف القصف؟.
ربما لهذا السبب تبدو بعض آثار الحرب أقل حضورا في الخطاب العام، رغم أنها قد تمتد لسنوات، فالجسد قد يلتئم، أما الذاكرة فلا تلتئم بالسرعةنفسها، ومع ذلك، فإن الحديث عن غزة لا ينبغي أن يحصر أهلها في صورةالضحية.
فالناس هنا لا يعيشون الألم فقط، إنهم يحاولون صناعة الحياة وسطه، أمتطهو ما توفر من الطعام، أب يبحث عن عمل، شاب يحاول مواصلة دراسته، صحفي يكتب، طبيب يعمل في ظروف قاسية، معلم يحاول تعليم الأطفال فيمساحة مؤقتة، ونساء ينظمن مبادرات لمساعدة الأسر.
هذه التفاصيل الصغيرة ليست هامشا في القصة، إنها القصة نفسها، ففيكل مرة يصر فيها إنسان على الاستمرار، هناك مقاومة يومية لفكرة أنالحرب يجب أن تكون الكلمة الأخيرة، لكن الصمود لا يعني أن الناس بخير، وهذه نقطة يجب ألا تساء قراءتها.
وقد يواصل الإنسان حياته، يضحك، يعمل، يساعد الآخرين، وينشر صورةمن يومه، ومع ذلك يحمل داخله خسارات لا يراها أحد، فليس مطلوبا منالناجين أن يكونوا أقوياء طوال الوقت، وليس من العدل أن تتحول قدرتهم علىالتحمل إلى ذريعة لتجاهل ما يحتاجون إليه، فالنجاة ليست شهادة على أنالضرر لم يقع، بل ربما تكون بداية مرحلة طويلة من التعامل معه.
لهذا، فإن مسؤولية العالم تجاه غزة لا ينبغي أن تتوقف عند إحصاء القتلىأو متابعة صور الدمار، فهناك حياة كاملة تحتاج إلى أن ترى، حياة الذيننجوا، لكنهم فقدوا البيت، والذين بقوا، لكنهم فقدوا أفرادا من عائلاتهم، والذين يمشون على أقدامهم، لكنهم يعيشون مع إصابات أو إعاقات، والأطفال الذين ما زالوا أحياء، لكن سنوات من طفولتهم مضت في الخوفوالنزوح.
هؤلاء ليسوا بقايا حرب، إنهم مجتمع يحاول إعادة بناء نفسه بينما لم تمحآثار الحرب بعد، وهنا يجب أن يتغير السؤال، بدلا من أن نسأل فقط، مننجا؟ علينا أن نسأل، بأي حال نجا؟ وكم فقد من بيته؟ وكم فقد من أسرته؟ وكم سنة من التعليم ضاعت؟ وكم مصدر دخل اختفى؟ وكم حلما تأجل؟ وكممن الخوف سيحتاج إلى سنوات حتى يهدأ؟.
هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة النجاة، بل تمنحها معناها الحقيقي، فالإنسان الذي بقي حيا يستحق أكثر من التهنئة على النجاة، ويستحق أنيستعيد حقه في الحياة، والحياة هنا ليست مجرد غياب الموت، إنها بيتآمن، ومدرسة، وعلاج، وعمل، وماء، وغذاء، وخصوصية، وأمان، وقدرة علىالتخطيط للغد.
إنها أن يستيقظ الطفل ولا يكون أول سؤال في ذهنه، أين سنذهب إذاقصف المكان؟ وأن تستيقظ الأم وهي تفكر في يومها، لا في كيفية حمايةأطفالها من يوم آخر، وأن يتمكن الشاب من التفكير في مستقبله، لا فيكيفية تأمين احتياجات أسرته.
غزة لا تحتاج إلى أن ينظر إليها فقط من خلال عدد من قتلوا، تحتاج إلى أنيرى أيضا عدد الذين أجبروا على أن يعيشوا حياة لم يختاروها، فالحرب قدتنتهي يوما، لكن آثارها لا تغادر في اللحظة نفسها.
وقد تتوقف الطائرات، لكن إعادة بناء البيوت تحتاج إلى سنوات، وقد يفتحالطريق، لكن استعادة التعليم تحتاج إلى وقت، وقد يعود الماء، لكن استعادةالإحساس بالأمان ليست مسألة بنية تحتية، وقد يعود الناس إلى أماكنهم، لكن المكان نفسه قد لا يعود كما كان.
لهذا، فإن نهاية الحرب لا تعني نهاية آثارها، هناك حرب أخرى تبدأ بعدها، حرب استعادة الحياة، وفي هذه الحرب، لا يكفي أن يبقى الإنسان حيا، يجب أن تتاح له فرصة أن يعيش.
وربما تكون هذه هي الحقيقة الأكثر إيلاما في غزة، أن النجاة لم تعد نهايةالقصة، إنها بداية قصة أخرى، قصة أناس حملوا أجسادهم من بين الركام، وحملوا معهم أسماء من فقدوهم، وذكريات بيوتهم، وخوف أطفالهم، وأحلامامؤجلة، ثم حاولوا، رغم كل شيء، أن يصنعوا من اليوم التالي شيئا يشبهالحياة.
لهذا، لا أحد ينجو كاملا، لكن ما يبقى من الإنسان بعد كل هذا الخرابيستحق أن يحمى، وأن يرى، وأن يمنح فرصة حقيقية ليعيش، لا أن يتركوحيدا أمام آثار حرب لم يخترها.





