هل موسم الزيتون في اجندة المقاومة الشعبية ..؟؟

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: يونس العموري
يعود موسم الزيتون، وفي عودة الزيتون هذا العام ما هو اكثر من عودة موسم زراعي ينتظره الفلسطينيون كل عام. فالزيتون في فلسطين ليس شجرة وحسب، ولا ثمرة تنتظرها المعاصر، ولا موسما يحسب الناس خلاله ما ستنتجه اشجارهم من زيت. الزيتون هو الارض وهي تستعيد اصحابها، وهو المزارع وهو يدخل حقله، وهو القرية وهي تفتح طرقها الى اراضيها، وهو الذاكرة التي تقول ان هذه الارض لم تكن يوما بلا اهل. ولذلك ليس غريبا ان يدخل موسم الزيتون في حسابات المستوطنين والاحتلال، وليس غريبا ان تظهر خطط لمنع الفلسطينيين من الوصول الى اراضيهم وقطف ثمارهم، خصوصا ان مواسم سابقة شهدت اعتداءات على المزارعين وسرقة للمحاصيل واقتلاعا للاشجار ومنعا من الوصول الى الارض واحراقا للممتلكات. وقد وثقت الامم المتحدة اعتداءات متكررة على مزارعي الزيتون خلال السنوات الماضية، بما في ذلك اعتداءات وقعت خلال موسم القطاف نفسه.
المسألة اذن ليست .. كيف سنقطف الزيتون؟ المسألة الاكثر قسوة هي .. هل سيترك لنا المستوطن ان نصل الى زيتوننا اصلا؟ وماذا علينا نحن ان نفعل اذا جاء المستوطن ليمنع المزارع من دخول ارضه؟ هل ننتظر الاعتداء ثم نصدر بيانا؟ هل نحصي الاشجار بعد اقتلاعها، والمحاصيل بعد سرقتها، والحقول بعد احراقها، ثم نعلن اننا نتمسك بالارض؟ وهل اصبح الفلسطيني مطالبا في كل مرة بان يقدم الدليل على انه صاحب ارضه، فيما يتصرف المعتدي فوقها وكأنه صاحب الحق في تقرير من يدخل اليها ومن يخرج منها؟
لا. هذه المرة لا ينبغي ان يكون السؤال ماذا سنوثق، بل ماذا سنفعل. لا ينبغي ان يذهب المزارع وحده الى ارضه ثم نطلب منه ان يصور لنا ما حدث بعد ان ينتهي الاعتداء. المطلوب حضور فلسطيني شعبي واسع في الارض، ومساندة المزارعين، وتنظيم الناس حول حقهم في الوصول الى اراضيهم وقطف زيتونهم، بحيث يعرف المستوطن مسبقا ان الارض ليست خالية، وان المزارع ليس وحيدا، وان وراء كل حقل عائلات وقرى ومجتمعا فلسطينيا حاضرا. المواجهة الشعبية في معناها المدني والوطني هي ان يكون الناس في ارضهم، وان يرفضوا ان يتحول الخوف الى قانون، وان يواجهوا محاولات المنع والاقتلاع والتهجير بحضورهم وتكاتفهم وثباتهم.
فاذا اراد المستوطن ان يمنع مزارعا من الوصول الى ارضه، يجب الا يجد مزارعا وحيدا امامه. واذا حاول الاعتداء على حقل، يجب ان يعرف ان اهل القرية يرون ويتابعون ويتدخلون لحماية اهلهم بالوسائل الشعبية والمدنية المتاحة. واذا اراد ان يجعل من الخوف وسيلة لاخلاء الارض، عليه ان يجد الفلسطينيين اكثر حضورا في ارضهم لا اقل. هذه هي الرسالة التي ينبغي ان يسمعها الاحتلال والمستوطنون .. ان الفلسطيني ليس رقما في تقرير، وليس صورة لمزارع يقف امام شجرة مقطوعة، وليس صاحب بيان احتجاجي ينتظر بعد كل اعتداء. هناك شعب حي، وشعب حي يتمسك بارضه ولا يتعامل مع محاولة اقتلاعه منها باعتبارها امرا طبيعيا او قدرا لا يرد.
وهنا تصبح السلطة الفلسطينية امام امتحان لا تستطيع الهروب منه بالبيانات. فالسلطة التي تقول ان الارض اولوية، وان الاستيطان خطر، وان حماية الوجود الفلسطيني هدف وطني، عليها ان تظهر ذلك في الميدان السياسي والمؤسسي والشعبي، لا ان تكتفي بالاستنكار بعد وقوع الكارثة. ليس المطلوب منها ان تراقب موسم الزيتون كما تراقب وزارة الزراعة موسما زراعيا، ولا ان تنتظر صور الاعتداءات حتى تتحرك. المطلوب خطة فعلية تضع القرى والاراضي والمزارعين في قلب الاهتمام، وتوفر لهم كل اشكال المساندة الممكنة، وتنسق مع المجالس المحلية والمؤسسات الحقوقية والزراعية، وتستخدم ما لديها من علاقات وادوات سياسية ودبلوماسية وقانونية، وتتعامل مع حماية الوصول الى الارض باعتبارها جزءا من وظيفتها الوطنية، لا ملفا موسميا يظهر في البيانات ثم يختفي.
والاكثر ازعاجا ان السلطة اعتادت، في كثير من القضايا، ان تصل الى الحدث بعد وقوعه. بيان بعد الاعتداء، ادانة بعد الاقتلاع، اجتماع بعد الحريق، زيارة بعد المصيبة، وتصريح بعد ان تكون الارض قد دفعت ثمن غياب الفعل. هكذا يتحول السياسي الى شاهد على ما يحدث بدلا من ان يكون جزءا من منع حدوثه. والسلطة التي لا تستطيع ان تمنع المستوطن من الاعتداء، تستطيع على الاقل ان تجعل حضور الفلسطيني في ارضه منظما، وان تحشد المؤسسات والمجالس والفعاليات والمجتمع حول حماية الموسم، وان تجعل كل قرية تعرف ماذا تفعل ومتى تتحرك ومن يساندها. اما ترك الناس وحدهم ثم مطالبتهم بالصمود، فهذا ليس سياسة وطنية، بل نقل لكلفة المواجهة الى المواطن وحده.
ولا يقل السؤال احراجا للفصائل والقوى السياسية. كم مرة سنرى صور الزيتون في الخطابات والملصقات، وكم مرة سنسمع الحديث عن الارض والصمود، ثم لا نجد هذه القوى في المكان الذي تجري فيه المعركة الفعلية؟ الزيتون لا يحتاج الى خطيب جديد بقدر ما يحتاج الى حضور الناس. والارض لا تحتاج الى شعار جديد بقدر ما تحتاج الى اصحابها. ومن يريد ان يتحدث عن الصمود فعليه ان يعرف ان الصمود ليس كلمة تقال من خلف المكاتب، بل عمل يومي يبدأ من الطريق المؤدي الى الحقل وينتهي عند آخر شجرة في الارض.
ما يجري ليس مجرد خلاف على محصول. عنف المستوطنين خلال 2026 تصاعد الى مستويات غير مسبوقة في بيانات الامم المتحدة، مع تسجيل اكثر من 1400 حادثة حتى اواخر الصيف وتأثر مئات التجمعات الفلسطينية، فيما ارتبطت هذه الاعتداءات بالنزوح وفرض قيود متزايدة على الوصول الى الارض. ولذلك فان الاعتداء على الزيتون يجب ان يرى في سياقه الاوسع: تضييق على الفلسطيني في ارضه، ثم جعل الوصول اليها اكثر صعوبة، ثم تحويل الزراعة الى مخاطرة، ثم دفع الناس تدريجيا الى الابتعاد عنها. وعندما يبتعد صاحب الارض، يصبح الغياب نفسه جزءا من المعركة.
لهذا لا ينبغي ان ننتظر موسم الزيتون حتى يبدأ كي نكتشف ان هناك مشكلة. نحن نعرف ما حدث في المواسم الماضية، ونعرف ان الاعتداءات ليست جديدة، ونعرف ان هناك من يريد للفلسطيني ان يخاف من ارضه. ونعرف ايضا ان الاحتلال والمستوطنين يراهنون على ان يعتاد الفلسطيني المشهد .. مستوطن يهاجم، فلسطيني يتراجع، السلطة تدين، الفصائل تصدر بيانا، والمؤسسات توثق، ثم يعود الجميع الى حياتهم حتى الاعتداء التالي. هذه الحلقة هي التي يجب كسرها، لا الاكتفاء بوصفها.
المطلوب ان يتحول موسم الزيتون الى موسم حضور فلسطيني. ان تذهب العائلات الى اراضيها، وان تتكاتف القرى، وان تتم مساندة المزارعين، وان تكون الارض عامرة باهلها. ان يشعر المستوطن ان محاولته منع الفلسطيني من ارضه لن تمر في صمت، وان يعرف الاحتلال ان وراء هذه الاشجار مجتمعا لا يريد ان يختفي. التوثيق مهم، والقانون مهم، والسياسة مهمة، لكن كل ذلك يأتي بعد الحقيقة الاولى .. ان يكون الفلسطيني موجودا في ارضه، وان يرفض ان يصبح الغياب نتيجة تلقائية للخوف.
لقد جربنا الادانة كثيرا، وجربنا الانتظار كثيرا، وجربنا ان نحصي خسائرنا بعد وقوعها. لكن موسم الزيتون لا يحتمل ان نذهب اليه بالعقلية نفسها. لا احد يطلب من الفلسطيني ان يبحث عن الخطر، ولا ان يدفع الناس الى كلفة لا يملكونها، لكن لا يجوز ايضا ان تصبح كلفة الدفاع عن الارض مبررا للتخلي عنها. فاذا كان الاحتلال يريد ان يجعل كلفة البقاء في الارض اكبر من كلفة تركها، فان الرد الفلسطيني يبدأ من رفض هذه المعادلة، ومن جعل الوجود الفلسطيني في الارض فعلا جماعيا لا بطولة فردية.
والسلطة تحديدا مطالبة بان تفهم ان صمتها او اكتفاءها بالبيانات لا يحمي الارض، وان المواطن الذي يذهب الى حقله لا يستطيع ان يعيش على التصريحات. اذا كانت السلطة عاجزة عن حماية الفلسطيني من المستوطن، فلتعلن ذلك صراحة، ولتضع كل امكاناتها السياسية والمؤسساتية في تنظيم المجتمع ودعم المزارعين وحماية وجودهم، بدلا من ان تترك المواطن وحيدا ثم تطلب منه الصمود. اما ان تبقى السلطة بين خطاب كبير وفعل صغير، وبين ادانة متكررة وعجز متكرر، فهذا لا يواجه مشروعا استيطانيا يتحرك كل يوم على الارض.
الزيتون لا يقطف بالخنوع، والارض لا تحمى بالسكون، والشجرة لا تبقى لاننا تحدثنا عن قدسيتها. ثمة موسم قادم، وثمة مستوطنون يعرفون ماذا يريدون، وثمة فلسطينيون يعرفون ماذا تعني لهم هذه الارض. ولذلك فان السؤال الحقيقي ليس فقط من سيقطف الزيتون، بل من سيبقى في الارض. وليس فقط ماذا سيفعل المستوطن، بل ماذا سيفعل الفلسطيني حين يأتي المستوطن ليقول له .. هذه الارض ليست لك. هناك شعب حي، وهذا الشعب لا ينبغي ان يسمح بان يصبح اقتلاعه من ارضه مشهدا عاديا. والرسالة التي يجب ان تصل الى اسرائيل والمستوطنين ليست عبر البيانات وحدها، بل عبر حضور الفلسطيني في ارضه وتمسكه بها ورفضه ان يتحول الخوف الى وسيلة لاقتلاعه منها. فالمستوطن قد يريد ان يجعل من موسم الزيتون موسما للخوف، اما الفلسطيني فعليه ان يجعله، بحضوره وتكاتفه وتمسكه بارضه، موسما يقول بوضوح: هذه ارضنا، وهذه اشجارنا، ونحن هنا.





