مقالات الخامسة

قراءة في مركزية فتح الجديدة: تحولات القوة والتيارات بعد المؤتمر الثامن

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: سلام عادل

تشكل نتائج المؤتمر الثامن لحركة فتح محطة تنظيمية وسياسية فارقة في تاريخ الحركة، وربما تُعد الأكثر تأثيرًا منذ المؤتمر السادس عام 2009، ليس فقط بسبب الأسماء التي صعدت إلى اللجنة المركزية، وإنما بسبب حجم التحولات التي تعكسها في موازين القوى الداخلية والتيارات المؤثرة في القرار الفتحاوي.

فقد شهدت الانتخابات دخول تسعة أعضاء جدد إلى اللجنة المركزية، بما يعادل قرابة نصف الأعضاء المنتخبين، مع بقاء هامش إضافي لإعادة تشكيل التوازنات من خلال التعيينات الرئاسية اللاحقة. ومن هنا، فإن قراءة النتائج لا ينبغي أن تقتصر على الأسماء الفردية، بل على ما تمثله من اتجاهات تنظيمية وسياسية قد تؤثر في شكل الحركة وأولوياتها خلال المرحلة المقبلة.

أولًا: صعود تيار الأسرى

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

يُعد ملف الأسرى من أبرز الملفات التي يبدو أنها اكتسبت حضورًا أكبر داخل المركزية الجديدة، مع صعود شخصيات مرتبطة بهذا الملف مثل تيسير البرديني وزكريا الزبيدي، إلى جانب استمرار حضور مروان البرغوثي داخل المشهد التنظيمي بوصفه أحد أبرز الرموز المرتبطة بقضية الأسرى.

هذا الحضور قد يشير إلى تزايد الاهتمام بملف الأسرى داخل أولويات الحركة، سواء على المستوى السياسي أو التنظيمي أو الرمزي، بما يعزز مكانة هذا الملف في خطاب فتح الداخلي والخارجي.

ثانيًا: تيار الشبيبة وتجديد النخبة التنظيمية

يعكس صعود إياد صافي حضورًا متقدمًا لتيار الشبيبة داخل مراكز القرار، وهو ما يمكن قراءته بوصفه مؤشرًا على رغبة الحركة في توسيع قاعدة تمثيل الأجيال التنظيمية الجديدة.

ثالثًا: عودة القدس إلى مركز القرار

يمثل دخول عدنان غيث عودة لتمثيل القدس داخل اللجنة المركزية، في خطوة تحمل بعدًا سياسيًا ورمزيًا مهمًا، خاصة في ظل المكانة المركزية التي تمثلها المدينة في المشروع الوطني الفلسطيني.

فوجود شخصية محسوبة على القدس (برمزية عدنان غيث) داخل دائرة القرار قد يعكس رغبة في تعزيز حضور الملف المقدسي تنظيمياً وسياسياً خلال المرحلة المقبلة.

رابعًا: إعادة ترتيب الملفات الخارجية وملف لبنان

تُظهر بعض المؤشرات إمكانية توجه الحركة لإعادة تنظيم ملفاتها الخارجية، وخصوصًا ما يتعلق بالمخيمات الفلسطينية في لبنان وسوريا، سواء من زاوية التنظيم، أو الإدارة، أو التوازنات الأمنية، أو حتى إدارة الممتلكات التنظيمية.

وفي هذا السياق، قد يُقرأ حضور ياسر عباس باعتباره مؤشرًا على دور أكبر للمقاربات الإدارية والاقتصادية في إدارة بعض الملفات الحساسة، خاصة تلك التي تتطلب ضبطًا ماليًا ومؤسساتيًا.

خامسًا: صعود التيار التكنوقراطي داخل الحركة

إحدى السمات اللافتة في المركزية الجديدة هي استمرار حضور ما يمكن وصفه بـ«التيار التكنوقراطي»، أي الشخصيات التي تستمد جزءًا مهمًا من نفوذها من مواقعها التنفيذية والإدارية وخبرتها المؤسساتية.

ويبرز ضمن هذا الاتجاه كل من أحمد أبو هولي، ليلى غنام، موسى أبو زيد، إلى جانب شخصيات وازنة موجودة سابقًا مثل حسين الشيخ ومحمد اشتية.

وقد يعكس تنامي هذا التيار توجهًا نحو منح الخبرة الإدارية والمؤسساتية مساحة أكبر داخل عملية صناعة القرار، بما يتناسب مع التحديات السياسية والاقتصادية والإدارية التي تواجهها الحركة والسلطة الفلسطينية.

سادسًا: الحرس التنظيمي التقليدي بوصفه عنصر استقرار وتوازن

رغم دخول وجوه جديدة، لا تزال الشخصيات ذات الثقل التنظيمي التقليدي تشكل أحد أعمدة الحركة ومراكز استقرارها الداخلية، خصوصًا لدى الكوادر التنظيمية الوسطى والقيادات المحلية.

ويبرز ضمن هذا الاتجاه كل من محمود العالول، جبريل الرجوب، توفيق الطيراوي، محمد المدني، وأحمد حلس بوصفه ممثلًا مهمًا لإقليم قطاع غزة، إلى جانب ماجد فرج الذي عزز حضوره خلال السنوات الأخيرة بفعل دوره الأمني وعلاقاته الإقليمية والدولية. وقد يُنظر إلى هذا التيار باعتباره عامل توازن داخلي يمنح الحركة قدرًا من الاستمرارية والخبرة السياسية والتنظيمية، في مقابل التيارات الصاعدة.

سابعًا: التعيينات الرئاسية، استكمال التوازنات السياسية والتنظيمية

قد تشكل التعيينات الثلاث المرتقبة مساحة لإعادة التوازن داخل اللجنة المركزية، سواء من ناحية التمثيل السياسي أو الفئوي أو الجغرافي. ومن بين الأسماء المطروحة، يبرز اسم مي الكيلة بوصفها شخصية تجمع بين الحضور التكنوقراطي والتمثيل النسائي (بجانب دلال سلامه وليلى غنام)، إضافة إلى تمثيل مسيحي قد يُنظر إليه بوصفه ضروريًا داخل البنية القيادية للحركة.

أما كريم يونس، فقد كان يُنظر إليه قبل المؤتمر باعتباره مرشحًا قويًا لتمثيل ملف الأسرى، غير أن صعود شخصيات أخرى مرتبطة بهذا الملف قد يجعل فرصه مرتبطة بحسابات التوازن النهائي.

وتشمل الأسماء المتداولة كذلك إسماعيل جبر في إطار موازنة التمثيل الأمني والتنظيمي، ونبيل أبو ردينة باعتباره أحد الوجوه القريبة من توجهات الرئاسة.

في المقابل، قد تمثل أسماء مثل نبيل عمرو ورياض منصور إضافة نوعية من حيث البعد السياسي والدبلوماسي، بما قد يسهم في تعزيز حضور الحركة إقليميًا ودوليًا وصياغة رؤية سياسية أكثر اتساعًا داخل اللجنة المركزية.

في المحصلة، لا تبدو اللجنة المركزية الجديدة مجرد إعادة توزيع للمقاعد أو تدوير للنخب التقليدية، بل تعكس محاولة لإعادة إنتاج توازنات داخلية بين تيارات متعددة: الأسرى، الشبيبة، التكنوقراط، الحرس التنظيمي، والبعد السياسي والدبلوماسي. غير أن نجاح هذه التركيبة سيبقى مرهونًا بقدرتها على التحول من حالة التمثيل المتعدد إلى حالة الانسجام السياسي والتنظيمي، وبمدى قدرتها على إنتاج رؤية موحدة للتعامل مع تحديات الحركة في الداخل الفلسطيني والإقليم والمجتمع الدولي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى