مقالات الخامسة

كيف تصبح كاتباً في الحرب

الخامسة للأنباء - غزة

بقلم: زينب وائل

في المكاتب المصقولة بالرخام، حيث تُدار الجغرافيا بجرّة قلم، تُختصر الحرب في “أرقامٍ” صماء؛ تصبح المدن مجرد مربعات على شاشة، والشرر المتطاير مجرد إحداثيات، لكن الكاتب الذي يملك عين الرائي، يعرف أن الحرب حين تنزل إلى الأرض، تخلع عنها هذا الوقار المزيف، وتتحول إلى وحشٍ أعمى يأكل الأخضر واليابس، ويكتب سِيرته بجبروت الشظايا وخراب الطمأنينة.

إن الكتابة عن الحرب ليست رصداً لعدد القذائف، بل هي تدوينٌ لعدد النبضات التي توقفت، والرسائل التي لم تصل.

لكي تهزّ قارئك، لا تمنحه تقريراً بارداً؛ بل خذه من يده إلى الخندق. اجعله يشعر بتلك الثواني الهلامية المطاطية التي تفصل بين “سماع الصفير” و”لحظة الارتطام”. إنها الثواني التي يتكثف فيها العمر كله في شهيقٍ واحد. لا تقل له “تهدم البيت”، بل قل: “انفرط عقد البيت في لقمة واحدة للتراب، ونامت دمية الطفلة تحت أطنان من الإسمنت، بينما ظل فستانها الصغير معلقاً على وتدٍ في الهواء، يلوّح لسموات لا تجيب”.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

الجاذبية في هذا الأدب تولد من رحم التناقض الصارخ. الحرب هي المكان الذي يلتقي فيه أقصى درجات الوحشية بأقصى درجات الطهر الإنساني. هناك، حيث السماء تمطر ناراً، قد تجد مقاتلاً يحتمي بجدار متآكل، يمسح الغبار عن وجه زهرة برية نبتت بين شقوق الحجر، أو يقتسم جرعة الماء الأخيرة في مطهرته مع جريحٍ يلفظ أنفاسه الأخيرة. هذه التفاصيل ليست هوامش، بل هي “المتن” الذي ينقذ النص من الجفاف، ويمنحه الخلود.

وعلى الكاتب أن يدرك أن الحرب لا تنتهي بمجرد توقيع معاهدات السلام؛ فالرصاص الذي يتوقف في الميدان، يواصل دويّه في رؤوس الناجين لسنوات طويلة. الأبطال الحقيقيون ليسوا أولئك الذين صُنعت لهم تماثيل من برونز، بل أولئك الذين عادوا بقلوب مثقوبة، يحاولون جمع شتات أنفسهم وصنع حياة من ركام الذكريات.

مهمتك كاتبًا ليست أن تكون مؤرخاً يجمع الحطب، بل أن تكون نبيّاً يعيد صياغة الألم؛ لتجعل من هذا الرماد صرخة بوجه العبث، وتثبت للعالم أنه حتى في أكثر الليالي المظلمة حلكة، تظل الكلمة الصادقة هي النور الفاضح لكل قناع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى