الرئيسيةحكايا في زمن الحرب

من أحبال المساعدات إلى سلال وأسرّة.. نهاد حويحي تحوّل مخلفات الحرب إلى باب رزق في النزوح

الخامسة للأنباء - غزة

إعداد: سهر دهليز

في مخيمات النزوح وسط قطاع غزة، حيث تتضاعف الأعباء المعيشية وتصبح أبسط احتياجات الحياة اليومية تحديًا لا ينتهي، تحاول نهاد اسكندر حويحي أن تصنع من القليل ما يعينها على مواجهة قسوة الواقع. من أحبال وقطع نايلون كان ابنها يجمعها لإشعال النار في ظل انقطاع الغاز، بدأت حكاية فكرة صغيرة تحوّلت تدريجيًا إلى مشروع يدوي، تصنع من خلاله سلالًا وأسرّة وخزائن وأغراضًا منزلية، في محاولة لتوفير بعض احتياجات أسرتها النازحة، وفتح نافذة أمل وسط ظروف الحرب القاسية.

فكرة وُلدت من الحاجة

تروي نهاد، النازحة من بيت حانون والمقيمة في دير البلح، أن بداية مشروعها لم تكن مخططة، بل جاءت نتيجة ظروف النزوح وانعدام أبسط مقومات الحياة.

وتقول: “بدأت فكرة الشغل في السلال، أو “سلة ستي”، لما كان ابني يروح يجيب مساعدات، وكان يحضر لي أحبالًا ونايلونًا علشان النار، لأنه ما كان في غاز. ولما ولّعنا منها النار، طلعت سيئة جدًا، ففكرنا نستفيد منها في أشياء ثانية بدل ما تروح هدر”.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

من هنا، بدأت نهاد تجربتها بكميات بسيطة من الأحبال والنايلون، قبل أن تتوسع الفكرة شيئًا فشيئًا. صنعت سلة صغيرة وضعت فيها بعض الأغراض، ثم انتقلت إلى صناعة سلال أكبر للغسيل والخضروات، لتكتشف أن هذه المواد التي كانت تُجمع لتلبية حاجة يومية باتت قادرة على التحول إلى منتجات مفيدة داخل المنزل.

ومع كل تجربة جديدة، كانت الفكرة تكبر، وتتحول المواد البسيطة إلى قطع تحمل أثر التعب والإصرار، وتمنح نهاد فرصة للعمل في ظل واقع لا يترك للنازحين خيارات كثيرة.

من سلة صغيرة إلى أثاث منزلي

لم تتوقف نهاد عند صناعة السلال، بل أخذت تبحث عن طرق جديدة للاستفادة من المواد المتاحة، فصنعت سجادة، وخزائن لحفظ الأغراض، وسلالًا للجلي والملاعق، وأدوات للاستخدام في الحمام، إلى جانب أسرّة وصناديق وأغراض منزلية أخرى.

وتوضح أن الحاجة كانت المحرك الأساسي لكل فكرة جديدة؛ فحين لم تجد ما تفرشه على أرضية مكان نزوحها سوى الشادر، فكرت في شراء سجادة، لكنها فوجئت بارتفاع سعرها، ما دفعها إلى محاولة صنع واحدة بيديها.

وتقول: “ما كان عندنا شيء نفرش عليه غير الشادر، ولما فكرنا نشتري سجادة لقيناها غالية جدًا، فاشتغلنا سجادة من الأحبال، وضبطت معنا”.

ولم تكن السجادة المنتج الوحيد الذي صنعته لتلبية احتياجات أسرتها؛ فقد ابتكرت سريرًا باستخدام صندوق، رتبت عليه الفراش، ليصبح مكانًا للنوم، كما صنعت خزانة لحفظ الأغراض، وواصلت تجاربها حتى أصبحت تتخيل استخدامات جديدة للمواد المتاحة أمامها.

وتضيف أن المنتجات تطورت مع الوقت، فصنعت قواوير للورد وزرعت فيها أزهارًا، إلى جانب خزائن وسرير للأطفال، مؤكدة أن أي فكرة تخطر ببالها تحاول تنفيذها إذا وجدت أن المواد المتاحة يمكن أن تساعدها في ذلك.

وهكذا، لم تعد هذه المنتجات مجرد محاولات لإعادة استخدام المخلفات، بل أصبحت وسيلة لتأمين بعض احتياجات المنزل، في ظل ارتفاع الأسعار وصعوبة توفير المستلزمات الأساسية للنازحين.

مشروع صغير يكبر بتشجيع العائلة

في البداية، كانت نهاد تعمل على نطاق محدود، مستفيدة مما يجمعه ابنها من أحبال ونايلون وقطع مختلفة. ومع ظهور النتائج الأولى، بدأ أفراد عائلتها يشجعونها، ثم صاروا يطلبون منها صناعة قطع مماثلة.

ومع اتساع التجربة، أنشأت صفحات على منصتي “فيسبوك” و”إنستغرام” لعرض منتجاتها، لتجد إقبالًا من بعض الناس على السلال والأغراض المنزلية التي تصنعها.

لكن حتى الحصول على المواد الخام لم يعد سهلًا كما كان في البداية؛ إذ أصبح بعض الأطفال الذين يعرفون طبيعة عملها يحتفظون بما يجدونه من مواد بدلًا من إعطائها لابنها مجانًا، ما اضطره إلى شرائها منهم بمبالغ بسيطة، تتراوح بين خمسة وعشرة شواكل.

وتعكس هذه التفاصيل طبيعة المشروع الذي يقوم على إمكانات محدودة للغاية، حيث تحتاج نهاد إلى جمع المواد وشرائها أحيانًا، ثم بذل ساعات من العمل اليدوي لتحويلها إلى منتجات يمكن استخدامها أو بيعها.

تعب الجسد لا يقل عن قسوة الظروف

تقضي نهاد ما بين ثلاث وأربع ساعات يوميًا في العمل، تحاول خلالها إنجاز ما تستطيع من المنتجات، رغم التعب الجسدي الذي يرافق هذه الحرفة.

وتقول: “الشغل متعب جدًا، أصابعي بتنجرح ورقبتي بتوجعني كثير، والأحبال قاسية وشديدة، ولازم يكون في حد يساعدني”.

ورغم الآلام، تتمسك نهاد بما بدأته، لأنها ترى في هذا العمل فرصة لتخفيف بعض الأعباء عن أسرتها، حتى وإن كان العائد المالي محدودًا ولا يتناسب مع حجم الجهد المبذول.

وتوضح أن ما تحصل عليه من بيع السلال والأسرّة لا يمثل مبلغًا كبيرًا، لكنه يساعدها على شراء بعض الاحتياجات التي تحتاج إليها هي وابنها وابنتها

وتقول: “أنا مبسوطة، الحمد لله، إني بساعد حالي وعائلتي، لأن الوضع صعب جدًا. إحنا نازحين وقاعدين بالإيجار، ومستلزمات الحياة كثيرة. العائد من الشغل قليل، لكن أحسن من ولا إشي”.

وتضيف أن هذا المشروع، على بساطته، لا يستطيع تلبية جميع احتياجات أسرتها، لكنها تحاول أن تستفيد من كل مبلغ تحصل عليه، مهما كان صغيرًا، لتوفير ما تستطيع من مستلزمات الحياة اليومية.

معركة يومية لتوفير الخبز والماء

خلف هذه المنتجات التي تعرضها نهاد للبيع، تختبئ تفاصيل يومية أكثر قسوة؛ فحياتها لا تقتصر على ساعات العمل وصناعة السلال، بل تبدأ كل صباح بالتفكير في كيفية توفير الاحتياجات الأساسية لأسرتها.

وتقول إن أكثر ما يشغلها هو أن يمر اليوم بسلام، وأن تتمكن من توفير ما يحتاج إليه أطفالها، مستحضرة تفاصيل يومية تبدو بسيطة، لكنها تتحول في حياة النازحين إلى تحديات متكررة.

وتروي: “أنا بفكر كيف يعدي اليوم علينا أول إشي بسلام، وماذا سيصير معنا. بفكر ابني بده يروح على المدرسة، بده كاسة شاي يشربها، وبده خبز ياكله. ومن أول ما يصحى، أول إشي بفكر فيه هو المية، وكيف بدنا نوفر المية والخبز والتكية”.

وتضيف أن هذا التفكير يرافقها منذ الصباح، بينما تحاول إنجاز عملها حتى ساعات الظهر، في الوقت الذي تظل فيه احتياجات الأسرة حاضرة في ذهنها، من الماء والطعام إلى متطلبات الحياة الأخرى.

فبالنسبة إلى نهاد، لا يتعلق الأمر فقط بصناعة منتج جديد أو بيعه، بل بمحاولة توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة لأسرتها، في ظل ظروف النزوح وارتفاع تكاليف المعيشة وضيق الإمكانات.

حلم يتجاوز حدود النجاة

رغم كل ما تواجهه من صعوبات، لا تنظر نهاد إلى مشروعها باعتباره وسيلة مؤقتة للحصول على بعض المال فحسب، بل تأمل أن تتاح لها فرصة تطويره وتحويله إلى مصدر رزق أكثر استقرارًا.

وتقول إنها تتمنى أن يتوسع العمل، وأن تحصل على دعم يساعدها على تطوير منتجاتها، بما يمكّنها من زيادة الإنتاج وفتح باب رزق أمام أشخاص آخرين يعيشون ظروفًا مشابهة.

وتضيف أن ما يشجعها على الاستمرار هو شعورها بأنها، رغم محدودية إمكاناتها، تستطيع أن تفعل شيئًا لمساعدة أسرتها بدلًا من الاستسلام للعجز أمام قسوة الواقع.

لكنها تدرك أن هذا المشروع، مهما تطور، لا يستطيع وحده أن يضع حدًا لمعاناة النزوح أو أن يوفر جميع الاحتياجات التي تثقل كاهلها وكاهل أسرتها.

 الإصرار وسيلة للبقاء

في دير البلح، لا تصنع نهاد اسكندر حويحي سلالًا وأسرّة وخزائن من الأحبال والنايلون فحسب، بل تحاول أن تصنع من تفاصيل يومها الصعب فرصة للاستمرار، ومن المواد التي كانت تُجمع لإشعال النار وسيلة لتأمين بعض احتياجات أسرتها.

وبين جروح أصابعها وآلام رقبتها، وساعات العمل الطويلة، وحسابات الخبز والماء والإيجار، تواصل نهاد محاولاتها، متمسكة بأمل أن يكبر مشروعها يومًا ما، وأن يتحول من جهد فردي محدود إلى مصدر رزق يوفر لها ولغيرها قدرًا أكبر من الاستقرار.

ففي حياة النازحين، قد تبدأ الحكايات الكبيرة من أشياء صغيرة، وقد تتحول بقايا المواد البسيطة إلى أدوات للحياة، حين تدفع الحاجة أصحابها إلى الابتكار، ويمنحهم الإصرار القدرة على مواصلة الطريق، يومًا بعد يوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى