مقالات الخامسة

من الفوضى إلى الدولة: هل نحتاج إلى (المستبد المستنير)؟

بقلم: نضال محمد الرنتيسي

الخامسة للأنباء - غزة

خاض الشعب الفلسطيني، على مدى عقودٍ طويلة، تجارب سياسية وتنظيمية متعددة، تشكلت خلالها أحزاب وحركات وتنظيمات رفعت شعارات التحرير والبناء والتنمية، إلا أن الحصيلة التي يراها المواطنون اليوم تثير أسئلةً صعبةً حول جدوى هذه التجارب ونتائجها الفعلية على حياة الناس.

بعد كل تجارب العمل الحزبي والتنظيمي، لم تتوقف الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالفلسطينيين، بل ازداد تفاقمها، وارتفعت نسبة الفقراء وعمّت البطالة وتراجعت فرص التنمية والاستثمار. وفي المقابل، واصل الاحتلال تمدده على الأرض عبر التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي وفرض الوقائع الميدانية التي قلّصت الحيز الجغرافي الفلسطيني عامًا بعد عام.

وبينما كانت الأرض تنكمش والتحديات تتعاظم، انشغلت أجزاء من النخب السياسية الفلسطينية بصراعات النفوذ والانقسام والمصالح الضيقة، ما أدى إلى إضعاف القدرة الوطنية على المواجهة والبناء، وترك المواطن الفلسطيني يدفع الثمن الأكبر من أمنه ومعيشته ومستقبله.

وفي قطاع غزة على وجه الخصوص، جاءت الحروب المتكررة والحصار والانقسام لتضيف أعباءً هائلةً على المجتمع، فانهارت قطاعات واسعة من الاقتصاد والبنية التحتية والخدمات العامة، وأصبح المواطن العادي يواجه تحدياتٍ يوميةٍ في أبسط مقومات الحياة.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

في ظل هذا الواقع، يبرز تساؤل مشروع: هل ما زال النموذج الحزبي التقليدي قادرًا على إنتاج حلولٍ حقيقية؟ أم أن المرحلة الاستثنائية التي يعيشها الفلسطينيون تتطلب نموذجًا مختلفًا لإعادة بناء الدولة والمجتمع؟

مقالات ذات صلة

يرى البعض أن الحل يبدأ بما يُعرف في الفكر السياسي بما أشار له عبد الرحمن الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد) من خلال تكليف “المستبد المستنير”، أي القائد الذي يمتلك صلاحياتٍ واسعةٍ ورؤيةٍ إصلاحيةٍ واضحة، ويستخدم سلطته لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وفرض سيادة القانون، ومحاربة الفساد، وإطلاق مشاريع التنمية بعيدًا عن التجاذبات الحزبية والصراعات الفئوية.

غير أن نجاح هذا النموذج لا يكون في استمرار الحكم الفردي، بل في قدرته على تحقيق هدفه الأسمى: بناء مؤسسات قوية ومستقلة وقادرة على إدارة الدولة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية. فالقائد الناجح ليس من يحتكر السلطة، بل من يؤسس لنظام لا يكون بحاجةٍ إلى “مستبدٍ جديد” بعد أن يؤدي مهمته.

إن التحدي الحقيقي أمام الفلسطينيين اليوم لا يتمثل فقط في تغيير الأشخاص أو الوجوه، بل في إيجاد نموذج حكمٍ قادرٍ على استعادة الكفاءة والعدالة والانضباط، وإعادة توجيه الطاقات الوطنية نحو البناء والتنمية وخدمة المواطن.

وربما يكون السؤال الأهم ليس: من يحكم؟ بل: كيف نبني دولة تحكمها المؤسسات والكفاءة والمساءلة، بحيث لا تبقى رهينةً للأفراد أو الأحزاب أو المصالح الضيقة؟

إن الشعوب التي مرت بمراحل الانهيار لم تنهض بالشعارات وحدها، بل بالإدارة الرشيدة والانضباط والعمل الجاد وبناء المؤسسات. وهذا ما يحتاجه الفلسطينيون اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى