نحو استراتيجية وطنية لمواجهة قرصنة إيرادات المقاصّة

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: مؤيد عفانة
تداولت وكالات إخبارية عدّة، من بينها وكالة رويترز العالمية وصحيفة هأرتس، أخبارًا متقاطعة بشأن مباحثات بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لتحويل جزء من أموال المقاصّة المحتجزة لدى إسرائيل إلى «مجلس السلام» في قطاع غزة لتمويل خطط عمله هناك. وفي حال صحّة هذه الأنباء، فإنّ ذلك يشكّل تطورًا دراماتيكيًا ومنحًى بالغ الخطورة في سياق الاستيلاء على أموال وحقوق الشعب الفلسطيني؛ إذ تُعدّ إيرادات المقاصّة المكوّن الرئيس للإيرادات العامة في فلسطين، بما يقارب (68%) من إجمالي الإيرادات العامة. وهذه الأموال ليست منحة من الولايات المتحدة أو إسرائيل أو أي جهة أخرى، بل هي أموال فلسطينية خالصة تعود إلى الخزينة العامة، وتمثل ضرائب يدفعها المواطن الفلسطيني على السلع والخدمات المستوردة من إسرائيل أو عبرها، وبالتالي لا يحق لأي جهة، مهما كانت، التصرف بها تحت أي ظرف.
وفي هذا السياق، لا بدّ من توضيح مجموعة من الحقائق الأساسية. فالحقيقة الأولى أن إيرادات المقاصّة حق أصيل للخزينة العامة الفلسطينية، وهي أموال جُمعت من دافعي الضرائب الفلسطينيين، وليست منحة أو هبة من أحد، ولا يملك حق التصرف بها سوى الفلسطينيين أنفسهم. وتقوم إسرائيل بجبايتها بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي الناظم للعلاقة الاقتصادية بين السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل، مقابل عمولة إدارية تُقدّر بـ (3%)، دون أن تمتلك أي حق قانوني أو سياسي بالتصرف بهذه الإيرادات.
أما الحقيقة الثانية، فتتمثل في أن السلطة الفلسطينية، ورغم قرار «الكابينت» الإسرائيلي بحجز مخصصات قطاع غزة من أموال المقاصّة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، بقيمة تُقدّر بنحو (275) مليون شيكل شهريًا، واصلت دفع مخصصات القطاع، ولا سيما رواتب العاملين في قطاعات التعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية وغيرها. وعليه، فإن الأموال المحتجزة ليست مبالغ مخصّصة مستقبلًا لقطاع غزة، بل هي إيرادات عامة تخصّ الشعب الفلسطيني بأكمله.
أما الحقيقة الثالثة، فهي أن «مجلس السلام»، منذ تشكيله، لم يقدّم خطوات ملموسة على صعيد إعادة إعمار قطاع غزة أو التخفيف من معاناة المواطنين، كما لم يتولَّ دفع رواتب الموظفين أو تحمّل الأعباء التشغيلية الأساسية، في حين ما تزال طبيعة التزاماته المستقبلية غامضة وغير واضحة.
وبناءً على ذلك، فإن أي تحويل لجزء من أموال المقاصّة إلى هذا المجلس يندرج في إطار تعميق الضغوط الاقتصادية على الفلسطينيين، بهدف تقويض الكيانية الفلسطينية وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه المالية، وصولًا إلى إضعاف السلطة الفلسطينية وإدخال المجتمع الفلسطيني في حالة من الاحتقان الداخلي. وهذا ما يعبّر عنه علنًا وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش، الذي أعلن بالأمس أنه سيعمل على استهداف «كل هدف اقتصادي للسلطة الفلسطينية أو غيره» ضمن صلاحياته.
ومن المتوقع، في ضوء حالة الاستقطاب السياسي و«حُمّى الانتخابات» في إسرائيل، أن تتصاعد الإجراءات الإسرائيلية الأكثر تطرفًا تجاه الاقتصاد الفلسطيني وأموال المقاصّة، في ظل تنافس أحزاب اليمين المتطرف على المزايدة على حساب الحقوق الفلسطينية. الأمر الذي يتطلب حراكًا فلسطينيًا عاجلًا وعدم انتظار فرض وقائع جديدة على الأرض، خاصة أن التجربة أثبتت أن إسرائيل تسابق الزمن لتكريس واقع سياسي واقتصادي يقوّض الكيانية الفلسطينية عبر بوابة الاقتصاد.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى استراتيجية وطنية شاملة للدفاع عن الحقوق المالية الفلسطينية، تقودها الحكومة بالشراكة والتكامل مع مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني، بما يشمل الأحزاب السياسية، والقطاع الخاص، والقطاع المصرفي، والمؤسسات الأهلية، بهدف مواجهة قرصنة أموال المقاصّة، إلى جانب حشد دعم دولي واسع، خصوصًا من الدول الشقيقة والصديقة والاتحاد الاوروبي، للضغط من أجل وقف أي إجراءات تستهدف أموال الشعب الفلسطيني.
وختامًا، فإن الاستراتيجية الإسرائيلية تتكشف يومًا بعد يوم بصورة أكثر وضوحًا، وهي تستهدف الكيانية الفلسطينية برمتها، ما يعني أن الحلول الفردية أو الجزئية لن تكون كافية لمواجهة الأزمة. وعليه، فإن التصدي لمحاولات الاستيلاء على الأموال الفلسطينية يتطلب جهدًا جماعيًا متعدد المسارات، في مقدمتها إعادة النظر في العلاقة الاقتصادية مع إسرائيل، والاستفادة من التوجهات الدولية، ولا سيما المواقف الصادرة عن فرنسا والمملكة العربية السعودية، للدفع نحو مراجعة بروتوكول باريس الاقتصادي، ووضع إطار مالي جديد وآلية أكثر عدالة وشفافية لتحويل أموال المقاصّة الفلسطينية.





