مقالات الخامسة

هل انتهت الحرب؟ وهل بقي الصراع؟

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب- عبدالمجيد سويلم
إذا صحّت وصدقت وتأكدت الأخبار من أن الولايات المتحدة وإيران قد باتتا على بُعد أيام، ويُقال أيضاً: على بُعد عدة ساعات فقط، من التوصل إلى وثيقة تفاهمات تستمر صلاحيتها لشهرين كاملين، سيجري خلالهما استكمال التفاوض حول تفاصيل بنود هذه الوثيقة، وحول البنود التي تم التوافق على إرجاء التفاوض حولها إلى مرحلة لاحقة، بما فيها، وربما على رأسها، مصير اليورانيوم ومكان الاحتفاظ به، وكذلك التوافق على كمية ونسبة التخصيب، إضافةً إلى وتيرة استرجاع إيران لأرصدتها ورفع العقوبات عنها.
إذا صحّ وتأكد كل هذا، فإن الحرب تكون قد انتهت دون أن تضع كل أوزارها بعد، ويكون الصراع قد دخل مرحلة جديدة، باتت مفتوحةً على حقبة جديدة، سيتغير معها واقع الإقليم، وستشكل انعطافة غير مسبوقة في التوازن الدولي كله، وفي حرية الملاحة وانسيابها، وحرية التجارة الدولية وممراتها وطرقها وسلاسل تزويدها.
إذا أردتم الحقيقة، فإن هذا الاتفاق، في حالة صحة وصدق ودقة ما تسرّب حوله، أو ما بات منصوصاً عليه، هو أكبر وأعمق وأخطر تحول يشهده إقليم الشرق الأوسط على مدار أكثر من قرن كامل من الزمن.
أكتب هذا المقال بساعات قبل صدور أي بيان رسمي أميركي أو إيراني، أو حتى بيان من الوسيط الباكستاني أو القطري، ولا حتى بالإيحاء الصيني. هذه ستكون أول تكويعة استعمارية حقيقية كبرى، استراتيجية، تجاوزت في معناها وفي مبناها الانتصار الناصري بعد العدوان الثلاثي على مصر، وبمراحل وبأبعاد، وفي ظروف مواتية تاريخياً، وبما لا يُقاس.
لا توجد فائدة، ولا جدوى، ولا أي ضرورة للغرق في أي تفاصيل تتعلق بإطار التفاهم المزمع التوقيع عليه، ليس لأن هذه التفاصيل قليلة أو عديمة الأهمية، على العكس من ذلك، على العكس تماماً؛ فهي فائقة الأهمية. لكن الاتفاق، في حال التوقيع عليه والبدء بالتفاوض حوله وحول تفاصيله بالذات، يفوق أي أهمية. لماذا؟
الجواب لا يحتاج إلى أي تعقيد لتوضيحه وإجلاء مضمونه. هذا الاتفاق، في جوهره، بات هو الذي يحدد مسار الإقليم، وقاعدة ارتكازه، ووجهة التطور السياسي والأمني فيه، وإلى حد بعيد وجهته الاقتصادية، وصولاً إلى اختياراته الثقافية.
وهذا الاتفاق، إذا ما سار وفق هذه الوجهة، فإنه أصبح موضوعياً فاتحةً لواقع إقليمي جديد، قائم على أمن إيراني عربي إسلامي جديد، قد يؤدي إلى تكتل إيراني تركي سعودي مصري، مدعوم من قطر والأردن وعُمان. وهو واقع سيفرض نفسه على الشرق العربي كله، وقد يطال، إلى هذه الدرجة أو تلك، وبهذا القدر أو ذاك، بعض بلدان المغرب العربي.
وهذا الاتفاق هو، وليس غيره أو سواه، وبحكم ما يكون قد تعزز من وقائع وحقائق على الأرض، سيفضي إلى تغيّرات جيوسياسية في خارطة التحالفات القائمة، سواء أكانت شكلية أم أكثر تماسكاً من البنى والهياكل، وصولاً إلى اصطفافات وتحالفات جديدة، تنزع إلى إيجاد فرص أوسع للتعاون بدلاً من التنازع والصدام والعداء، وبدلاً من استيلاد الصراع ودعم تأجيج التحالفات والخلافات، وبدلاً من افتعال الأزمات والنعرات.
والحقيقة أن الهداية الإلهية لم تنزل على العرب والمسلمين فجأةً، ودون مقدمات أو سابق إنذار، هذا إذا كانت قد نزلت بما يكفي أصلاً؛ لأن أميركا، في الحقيقة، قد فشلت فشلاً ذريعاً في هذه الحرب بعد كل جولاتها السابقة، وأصبح الاستمرار يعني معادلة جديدة لا مجال لتكهن الكثير حولها، وهي أن حسم الحرب أصبح مستحيلاً بالوسائل العسكرية المتاحة، في حدود هي خارج نطاق أسلحة الدمار الشامل.
وأصبح التدمير متبادلاً، وهو تحوّل، في حالة العودة إلى الحرب، من الدمار للبنى والقواعد إلى دمار اقتصادي وسياسي واجتماعي في كل الإقليم، وإلى أزمة عالمية ستعصف به، وستهز أركانه، وستقوّض أسسه ومرتكزاته، وقد تؤدي إلى انهيارات هائلة ومروّعة فيه.
وهي حرب لن تعود على الولايات المتحدة، في حال فشلها، وهو الاحتمال الأرجح بصورة كبيرة، بأي مكاسب حقيقية؛ بل على العكس، فإن أميركا هي الخاسر الأكبر منها. وهي، بهذا الاتفاق، ربما تنجح في وقف التدهور الذي وصلت إليه، وتتدارك التراجع الذي وصلت إليه مكانتها المتعلقة بالهيمنة، وتتفادى التآكل الذي بات عليه دورها العالمي.
وهذا كله، بالذات، هو التفسير المنطقي لموافقة الولايات المتحدة، من ناحية الجوهر، على معظم البنود الإيرانية. لقد اختفى من جدول أعمال التفاوض أهم وأكبر وأخطر البنود الأميركية والإسرائيلية، وهما: الصواريخ، وحركات المقاومة الموالية لإيران.
وسيعاد فتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحاً أصلاً، وحوّلته إيران إلى ورقة ابتزاز وتفاوض. وسيعاد فتحه بامتيازات إيرانية وعُمانية خاصة، بصرف النظر عن حجمها ومردودها. وسيُرفع الحصار البحري، وستُستعاد الأموال الإيرانية، بصرف النظر عن جدوى استعادتها، مقابل تجميد التخصيب ونسبته، ومقابل الاتفاق على مكان تخزينه خارج أميركا بكل تأكيد، لضمان عدم استثماره للأغراض العسكرية، وهو أمر لم يكن ليصدق في صلب الأهداف الإيرانية.
من حيث الجوهر، عادت الولايات المتحدة ووافقت على النقاط التي كانت قد وافقت عليها عندما أعلنت عن قبولها لوقف إطلاق النار على قاعدة النقاط الإيرانية.
دفعت إيران ثمناً باهظاً جداً من قادتها، ومن بنيتها العسكرية والمادية، ومن بنيتها الاقتصادية والتحتية، ودفعت ثمناً باهظاً من بنيتها النووية السلمية، التي راكمتها على مدى عشرات السنين بعشرات، وربما بمئات، المليارات من الدولارات.
ولكنها حققت لنفسها أكبر الإنجازات على الإطلاق، وهو إنجاز فرض استقلالها وقوتها في الإقليم، والتحول إلى نموذج عالمي فريد من القدرة على الصمود والتحمل والإرادة، الذي أثبت أن نسيج السجاد في إيران هو أكثر من كونه حرفة تقليدية؛ فهو ثقافة وذهنية تحولت إلى فعل سياسي واجتماعي أحدث الفارق: الإيمان بالتراكم، والاعتماد على النفس أولاً، وإدارة الأزمات بصبر وروية وحكمة، وإتقان فنون مداخل العبور إلى المستقبل في كل متطلباته العلمية والتقنية والبشرية، وقواعده الأخلاقية والثقافية، هو الذي أوصل إلى هذا الإنجاز.
الشرق الأوسط الجديد، الذي بشّر به نتنياهو، يتهاوى أمام عينيه، وهو أمر يستحق أن نفرد له مقالاً خاصاً، نتحدث فيه عن التيه الذي دخله برجليه، وعن الضياع الذي بات فيه، وعن الكارثة التي ألمّت به وبكل أصحابه وأترابه، حتى لو أنه ما زال يُمنّي نفسه بجوائز ترضية، ليست سوى اللهاية التي سيتسلى بها إلى حين موعد الرحيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى