مقالات الخامسة

ما بعد الشهادة… التعلم كمسار للحياة

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: ثروت زيد الكيلاني

يرتبط الوجود الإنساني بفعل التعلّم بوصفه المسار الذي تتشكلعبره علاقة الإنسان بالعالم. غير أن النموذج التعليمي الحديثاختزل هذه العملية داخل نموذج الشهادة، ونظّم المعرفة ضمنمسارات مغلقة تنتهي عند حدود التأهيل الأكاديمي والاندماجالمهني، بوصفهما التعبير الأكثر شيوعاً عن الكفاءة والجاهزيةالاجتماعية.

ومع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، وما رافقها منتغير مستمر في أنماط العمل وتشكّل المعرفة، بدأت الفلسفةالتعليمية المعاصرة بمراجعة فكرة الاكتمال المعرفي، فأصبحتالقدرة على التعلم وإعادة التكوين جزءاً من شروط التكيف مع عالمسريع التحول في المعرفة والعمل، في عالم تتراجع فيه مركزيةالشهادة الثابتة لصالح المهارة المتجددة والتعلم المستمر.

أولاً: التحول في فلسفة التعليم – من الشهادة إلى التعلمالمستمر

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

لم تعد الشهادة الأكاديمية تمثل المحطة النهائية للرحلة التعليمية أو المرجعية الوحيدة لتحديد الكفاءة المهنية؛ إذ يشهد النظام التعليمي المعاصر تحوّلاً تدريجياً من النموذج الخطي التقليدي القائم على الفصل بين التعليم والعمل، إلى نموذج أكثر تركيباً ومرونة يقوم على التداخل المستمر بين بناء المعرفة والخبرة المهنية وإعادة التعلم، بما يعيد تشكيل العلاقة بين التعلم بوصفه مساراً ممتداً والحياة المهنية بوصفها فضاءً لإنتاج المعرفة وتطويرها.

ضمن هذا التحول، أصبح التخرج نقطة انتقال داخل مسار معرفيمفتوح، يتطلب تحديثاً مستمراً للمهارات والمعارف. وقد انعكس ذلكفي السياسات التعليمية الحديثة التي تسعى إلى بناء مجتمعاتتعلم مستمرة قادرة على التكيف مع التحولات الاقتصاديةوالتكنولوجية المتسارعة. وفي هذا السياق، تمثل سياسة “استحقاقالتعلم مدى الحياة” في المملكة المتحدة نموذجاً يعكس هذا التوجه؛إذ تتيح مسارات تمويل مرنة تمكّن الأفراد من العودة إلى التعليم فيمراحل مختلفة من حياتهم المهنية، بما يسمح بتطوير المهارات وتنمية مؤهلات جديدة وفق متطلبات سوق العمل والتحولات المتسارعة في الاقتصاد المعرفي.

ثانياً: صعود المهارة بوصفها معياراً جديداً للقيمة

يشهد سوق العمل تحولاً متسارعاً في معايير تقييم الكفاءة المهنية؛حيث تراجعت مركزية الشهادة التقليدية لصالح المهارة القابلةللتطبيق والتحديث المستمر. ويرتبط هذا التحول بإعادة تشكيل بنيةالاقتصاد العالمي القائم على المعرفة الرقمية والابتكار والتكنولوجياالمتغيرة. ضمن هذا السياق، بدأت قطاعات واسعة، خاصة فيمجالات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، بإعادة النظر فيالاعتماد الحصري على المؤهلات الأكاديمية التقليدية، مع تصاعدالاهتمام بالقدرة العملية على الإنجاز والتكيف والتعلم السريع.

وتكتسب المهارة في هذا النموذج قيمة متجددة بحكم ارتباطهاالمباشر بالتغيرات التقنية وسياقات العمل المتحولة، الأمر الذي جعلإعادة التأهيل المهني ورفع المهارات جزءاً أساسياً من السياساتالمرتبطة بتطوير القوى العاملة. كما أدى ذلك إلى إعادة تنظيمالعلاقة بين التعليم والعمل، بحيث أصبح التعلم ممتداً داخل المسارالمهني نفسه، ومتداخلاً مع التحولات اليومية في بيئة الإنتاجوالمعرفة.

ثالثاً: التعلم مدى الحياة والتحول البنيوي في سوقالعمل

أدت التحولات المرتبطة بالرقمنة والذكاء الاصطناعي والاقتصادالأخضر إلى تسارع غير مسبوق في تغير المهارات المطلوبة داخلسوق العمل، وهو ما وسّع الفجوة بين مخرجات التعليم التقليديومتطلبات الاقتصاد المعاصر. وتواجه الأنظمة التعليمية صعوبةمتزايدة في مواكبة هذا الإيقاع المتسارع بسبب اعتمادها علىدورات زمنية طويلة وبنى مؤسسية أكثر بطئاً من تحولات السوق.

ضمن هذا السياق، برز التعلم مدى الحياة بوصفه استجابةسياساتية للتحولات البنيوية في العمل والمعرفة، وليس مجرد إطارإضافي للتدريب. كما اتجهت السياسات الحديثة نحو توسيع أدواتإعادة التأهيل المهني، ورفع المهارات، والتعليم القائم على العمل،بهدف تمكين الأفراد من الانتقال بين وظائف ومسارات مهنية متعددةخلال حياتهم العملية.

وفي موازاة ذلك، توسعت أنماط التعلم المرن القائمة على الشهادات المصغرة والتعليم المعياري، بما يسمح ببناء مهارات تدريجية قابلة للتحديث المستمر، بصورة أكثر انسجاماً مع الطبيعة المتغيرة لسوق العمل المعاصر. ويظهر هذا التحول في الصعود المتنامي للمنصات الرقمية العالمية الشريكة لكبرى الجامعات والمؤسسات التكنولوجية، والتي باتت تقدم اعتمادات تخصصية مرنة تسهم في تفكيك البنية الجامعية الصلبة، وإعادة تنظيم التعليم ضمن مسارات آنية وموجهة بدقة نحو احتياجات المهارات المتغيرة.

رابعاً: التعلم مدى الحياة بين إعادة تعريف الإنسانواختبار السياسات

يتجاوز التعلم مدى الحياة حدود تطوير المهارات وتحديث أنظمة التدريب وسد فجوات سوق العمل، ليعكس تحولاً أعمق في فهم الكينونة الإنسانية وعلاقتها بالوجود والمعرفة. ويتسع جوهر التعلم المستمر ليشمل تلبية شروط الإنتاجية الاقتصادية، وتحقيق جودة الحياة، وإثراء التطور الروحي والعقلي للأفراد، بجانب تعزيز المواطنة الفاعلة والمسؤولة في عالم معقد. ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الفرد بوصفه كياناً معرفياً مستقلاً في حالة تشكل ونمو مستمرين، يتجاوز بمفهومه أطر الأدوار الاقتصادية النمطية.

غير أن هذا التحول يضع السياسات التعليمية والاجتماعية أماماختبارات معقدة تتعلق بالعدالة وإتاحة الفرص واستدامة التعلم. فالتوسع في سياسات إعادة التدريب لا يضمن بالضرورة تقليصفجوات التفاوت أو تحسين جودة العمل، كما أن تحميل الفردمسؤولية التكيف المستمر قد يؤدي إلى إعادة إنتاج أشكال جديدةمن الهشاشة المهنية والاجتماعية. وفي هذا الإطار، تصبح فعاليةالتعلم مدى الحياة مرتبطة بقدرة الدول والمؤسسات على بناء بيئاتتعلم مرنة وعادلة، تتكامل فيها مسارات التعليم النظامي وغيرالنظامي والتعلم في بيئة العمل، ضمن رؤية تتعامل مع المعرفةبوصفها حقاً إنسانياً مستمراً وليست امتيازاً مؤقتاً مرتبطاً بمرحلةعمرية أو متطلباً نفعياً محصوراً بظروف السوق.

ختاماً، يعكس التحول نحو التعلم مدى الحياة انتقالاً عميقاً فيبنية التعليم والعمل والمعرفة؛ حيث تتراجع فكرة الاكتمال المعرفيالمرتبطة بالشهادة التقليدية، مقابل تصاعد مركزية المهارة المتجددةوالقدرة المستمرة على التعلم والتكيف. غير أن نجاح هذا التحوليظل مرتبطاً بقدرة السياسات العامة على ضمان العدالة في فرصالتعلم والوصول إلى المعرفة، حتى لا تتحول المهارة ذاتها إلى أداةجديدة لإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي داخل اقتصاد سريعالتغير، وحتى يظل التعلم مساراً متكاملاً لتحرير الإنسان وتطويروعيه بالعالم من حوله

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى