شؤون (إسرائيلية)

1100 طن تحت الأرض.. ماذا تركت إسرائيل وراءها في علي الطاهر؟

الخامسة للأنباء - غزة

لم تعد تلة علي الطاهر في جنوب لبنان مجرد موقع عسكري تتنازع السيطرة عليه القوات الإسرائيلية وحزب الله. بل باتت واحدة من أبرز ساحات التصعيد، بعدما تعرضت خلال الفترة الأخيرة لغارات ومحاولات تقدم إسرائيلية متكررة  انتهت في 11 أيلول/سبتمبر بتفجيرات ضخمة قالت تل أبيب إنها استهدفت بنية تحتية تحت الأرض.

أكثر من 1100 طن من المتفجرات استخدمها الجيش الإسرائيلي في العملية، وفق مصادر إسرائيلية. لتدمير شبكة أنفاق يزيد طولها عن كيلومترين تحت المرتفع. في تفجير لم تتوقف تداعياته عند الجانب العسكري، بعدما سجلت المنطقة هزة أرضية بلغت قوتها 4.1 درجات. وشعر السكان بالارتجاجات ودوي الانفجارات من النبطية وصولًا إلى صيدا.

تلة تراقب جنوب لبنان

تقع تلة علي الطاهر بين بلدتي كفرتبنيت والنبطية الفوقا، شمال نهر الليطاني، وترتفع نحو 600 متر عن سطح البحر.

ومن هذا الموقع المرتفع، تشرف التلة على مساحات واسعة من جنوب لبنان. تشمل النبطية وإقليم التفاح وجبل الريحان ومحيط نهر الليطاني.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

وتأتي أهميتها كذلك من ارتباطها بسلسلة من المرتفعات تضم تلال علي الطاهر والدبشة ورأس الطهرة. إلى جانب قربها من قلعة الشقيف التي لا تبعد عنها سوى نحو 4 إلى 5 كيلومترات.

هذا الموقع جعلها ذات أهمية جغرافية وعسكرية، خصوصًا مع إشرافها على عدد من مناطق جبل عامل، وتحكمها بمسارات الوصل بين جنوب لبنان والبقاع  فضلًا عن كونها مدخلًا إلى العمق الجبلي في إقليم التفاح وجبل الريحان. كما تزيد طبيعة المنطقة الوعرة من صعوبة السيطرة عليها.

 صراع قديم يتجدد

الصراع على علي الطاهر ليس وليد التطورات الأخيرة. فمنذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، أقامت إسرائيل موقعًا عسكريًا في التلة ظل حتى الانسحاب عام 2000 واحدًا من أبرز تحصيناتها في المنطقة، كما تعرض الموقع مرارًا لهجمات حزب الله.

وخلال العقود اللاحقة، بقيت التلة حاضرة في الحسابات العسكرية. قبل أن تعود إلى واجهة الأحداث مع استئناف الحرب بين إسرائيل وحزب الله عام 2026.

وبعد إعلان إسرائيل “السيطرة” على قلعة الشقيف في 31 أيار/مايو. تصاعد الاهتمام بعلي الطاهر، ثم كثف الجيش الإسرائيلي غاراته على التلة ومحيطها منذ مطلع أيلول/سبتمبر. قبل أن يعلن في الثالث من الشهر نفسه ما وصفه بـ”السيطرة العملياتية” عليها، رغم إعلانه سابقًا، في 26 حزيران/يونيو  السيطرة على المرتفعات، وهو ما نفاه حزب الله.

ولم تخل محاولات التقدم من خسائر إسرائيلية؛ ففي 19 حزيران/يونيو قتل قائد الكتيبة 52 وثلاثة من أفراد طاقم دبابتهم. بعدما أصيبت الدبابة خلال عملية قال الجيش الإسرائيلي إنها استهدفت السيطرة على شبكة كبيرة تحت الأرض في كفرتبنيت وعلي الطاهر، بمشاركة قوات مدرعة ووحدات من الكوماندوس وغولاني وإيغوز والهندسة.

أنفاق تحت الأرض

تقول تقارير بحثية وصحفية عبرية إن التلة تضم منشآت وتحصينات وأنفاقًا تابعة لحزب الله، وتستخدم لوصفها تسميات مثل “مركز الأعصاب” و”المدينة الملجأ”. مع ربطها بقيادة وحدة “بدر”، من دون تأكيد أو نفي من الحزب لهذه المعلومات.

كما تحدث مركز “ألما” للبحوث والتعليم الإسرائيلي عن وجود بنية تحتية استراتيجية للأنفاق داخل التلة. بينها مجمعات تحت الأرض يتجاوز طول أكبرها كيلومترًا.

وبحسب تلك التقارير، يوجد بين 10 و15 مقاتلًا داخل منشأة تحت الأرض في المنطقة. فيما تحاول القوات الإسرائيلية فرض حصار عليها وقطع خطوط الإمداد، وسط حديث عن محاولات لإيصال المعدات والمؤن بواسطة طائرات مسيرة.

 1100 طن تغيّر شكل الأرض

في 11 أيلول/سبتمبر، نفذ الجيش الإسرائيلي سلسلة تفجيرات واسعة في مرتفعات علي الطاهر. أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزير الحرب يسرائيل كاتس أنها استهدفت بنية تحتية استراتيجية لحزب الله. قالا إنها أقيمت على مدى نحو عقدين.

وتحدثت مصادر إسرائيلية عن استخدام أكثر من 1100 طن. من المتفجرات لتدمير شبكة أنفاق يزيد طولها عن كيلومترين.

وحجم المتفجرات لا يعني مجرد انفجار ضخم في لحظته. إذ يمكن للطاقة الناتجة عن تفجير كميات كبيرة أن تؤدي إلى تكسير الصخور وانهيار الفراغات والأنفاق وإعادة توزيع الضغوط داخل الكتلة الصخرية.

وبالفعل، أفادت تقارير محلية بتناثر الصخور والأتربة وإغلاق طريق في محيط المنطقة عقب التفجير.

هزة أرضية وأسئلة بيئية

كان من أبرز آثار التفجير تسجيل هزة بلغت قوتها 4.1 درجات، وفق هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية. بينما تحدثت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية عن شعور السكان بالارتجاجات ودوي الانفجار في مناطق امتدت من النبطية إلى صيدا.

وتفتح هذه القوة التفجيرية الكبيرة الباب أمام أسئلة لا تتعلق بالدمار العسكري وحده. خصوصًا أن التلة تقع شمال نهر الليطاني، أحد أهم الموارد المائية في جنوب لبنان، وفي منطقة تضم أحواضًا زراعية رئيسية.

ومن هنا يبرز احتمال تأثر المياه الجوفية أو السطحية بأي ملوثات قد تنتج عن التفجيرات أو انهيار المنشآت تحت الأرض. وهو ما يجعل مراقبة نوعية المياه في المنطقة خلال الفترة المقبلة أمرًا مهمًا، وفق ما تطرحه المادة من مخاوف بيئية.

ولا يقتصر التأثير المحتمل على المياه. فالغبار الناتج عن تكسير الصخور قد ينتشر في الهواء ثم يترسب على التربة والنباتات والمسطحات المائية القريبة.

كما يمكن أن تتعرض التربة للتعرية أو الطمر بالركام. بينما قد تتضرر طبقتها السطحية التي تحتوي على جزء كبير من النشاط البيولوجي والبذور والكائنات الدقيقة.

ماذا بقي بعد الانفجار؟

قد تكون آثار التفجير أكثر امتدادًا من اللحظة التي دوى فيها. فتدمير الصخور والأنفاق. وتحرك كتل التربة، وانتشار الغبار، وتضرر الغطاء النباتي، كلها عوامل قد تترك آثارًا لا تظهر كاملة في الساعات الأولى.

ويمتد التأثير كذلك إلى الحياة البرية؛ إذ يمكن لتدمير الموائل والجحور ومواقع التعشيش، إلى جانب الضوضاء والاهتزازات والغبار. أن يدفع الحيوانات والطيور إلى مغادرة المناطق المحيطة بمصدر الانفجار.

وهكذا، فإن المعركة على تلة علي الطاهر لا تقاس فقط بمن يسيطر على المرتفع عسكريًا. بل بما يمكن أن تتركه العمليات العسكرية خلفها في الأرض والمياه والغطاء النباتي.

فالتفجير انتهى خلال دقائق، لكن الأسئلة التي خلّفها قد تحتاج وقتًا أطول بكثير للإجابة عنها: ماذا حدث داخل الجبل؟ وإلى أي مدى امتدت آثاره إلى ما حوله؟ وكم تحتاج التلة لاستعادة ما فقدته؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى