وين نروح.. قصة نزوح متجددة في وطن لا يتّسع لأهله

الخامسة للأنباء - غزة
وين نروح.. حكايا في زمن الحرب إعداد: سهر دهليز
إلى الكتّاب والقرّاء…
لا تأخذوا العناوين وتتركوا التفاصيل.
اكتبوا كل شيء… اذكروا الأسماء، الوجوه، الأماكن، والصرخات المكبوتة. فالتاريخ لا يُكتب من فوق، بل من عمق الركام.
حكمت المصري في روايتها لرحلة نزوحها المريرة قالت: “عدتُ إلى المكان ذاته الذي نزحتُ إليه أول مرة، في منتصف أكتوبر 2023. وعلى السرير نفسه، ألقيت بجسدي الواهن بعد سفرٍ طويلٍ، مثقلٍ بمشاهد أنهكت بصري وقلبي، من غزة المدينة حتى مخيم النصيرات، حيث بيت أختي هبة”.
وأضافت: “كان القرار أن تتفرق العائلة في اتجاهات متعدّدة، لعلّ كل واحدٍ منا يجد سقفًا يلوذ به. لا وجهة واضحة، ولا خيام نملكها لنصنع منها بيوتًا مؤقتة بعد أن فقدنا منزلنا في بيت لاهيا، وكل ما نملك”.
“وين نروح؟” لم يكن سؤالًا عابرًا، بل صرخةً تقطع القلوب والعقول والأجساد.
صرخة الشيوخ الذين يتكئون على عكازات التعب، والنساء اللواتي يجررن أبناءهن بين الركام، والأطفال الذين ينامون على حجارة باردة لا تعرف الرحمة.
في غزة، الأرض تضيق بأهلها، والسماء تمطر نارًا لا غيثًا.
في غزة، لا يُطلب منّا أن نعيش… فقط أن ننجو.
لكن حتى النجاة لم تعد ممكنة والقلوب لا تجد إلا أن ترفع سؤالها للسماء:وين نروح؟
الطريق إلى النصيرات
تابعت روايتها: “قررتُ الخروج إلى النصيرات برفقة ابني عبود. اخترتُ وقت المساء، علّه يكون أقل خطورة.
حملتُ ما استطعت من ملابس وبعض الأغراض، وتوجّهت نحو منطقة السرايا.
وهناك… كان المشهد أكبر من أن يُحتمل.
ساحة مكتظة بالآلاف: باعة، متسولون، نازحون، متعبون يفترشون الأرض، الجميع في انتظار سيارة أو عربة تجرّها الحيوانات تقلّهم إلى وجهاتهم”.
تذكرت للحظة، مشاهد الزحام في الهند والصين ومصر وأفغانستان… لكن هنا، الزحام كان يصرخ بالجوع والتشرد والخوف.
كان وحيدي عبود المصري يركض من سيارة إلى أخرى، يحاول أن يجد لنا مكانًا، بلا جدوى. انتظرنا أكثر من ساعتين، ثم جلست على الرصيف منهكة.
اقترب مني عبود وهمس: “ماما… حتكتبي عن هذا الشيء؟”
خفضتُ بصري، شعرتُ أن التعب أثقل من الكتابة نفسها.
السيدة الجائعة
واشارت المصري إلى تلك السيدة التي كانت تجلس بجوارها، بجانبها كيس أسود كبير. بادرتها بالحديث؛ لقد كانت تنتظر منذ ثلاث ساعات، جاءت من مخيم المغازي صباحًا لتستلم طردًا غذائيًا. لديها ثلاث بنات، بعد أن فقدت زوجها، وهُجّرت من مخيم جباليا إلى المغازي.
وبينما تتحدث، أوقفت بائع خبز، اشترت رغيفًا فارغًا، وأخذت تلتهمه بسرعة وهي تقول: “ما أكلت من مبارح.”
كنتُ أنظر إليها بدهشة، لم أتكلم مطلقًا، لم أجد شيئًا لقوله.
بداية الرحلة
وأضافت: “مع دخول الليل، فكرتُ بالعودة إلى مكان نزوحي المؤقت بعد شعوري باليأس من الحصول على فرصة ركوب سيارة. لكن عبود لمح سائق سيارة “فلوكس” زرقاء ينادي: “النويري النويري!”
أسرعنا إليها، جلسنا في المقعد الخلفي، ثم أخبرنا السائق:”الأجرة عشرين شيكل، يعني 7 دولار، اللي مش عاجبه ينزل.” (كانت لا تتعدى دولارًا واحدًا قبل الحرب)”.
ازدحمت السيارة بالركاب وأغراضهم؛ أجساد متلاصقة وأنفاس متقطعة، وكأننا جميعًا نحمل حياةً مثقلة على ظهورنا.
وداع غزة
تحركت السيارة ببطء وسط الزحام، التفتُّ نحو النافذة: شارع عمر المختار، محلات الملابس، مطعم السوسي، بوظة كاظم، كافي سلطانة، مبنى المجلس التشريعي المُهدَّم، ركام مركز رشاد الشوا الثقافي، مربع الجامعات التي أصبحت مراكز إيواء للنازحين، الأبراج الشاهقة المهددة بالسقوط.
متسائلة: كيف سيتحوّل هذا الجمال إلى موت بعد فترة وجيزة؟
لقد تحولت بيت لاهيا من جنة الله على الأرض إلى جحيمٍ محتلّ؟!.
سقطت دموعي بلا استئذان، شعرت بغصّة في قلبي: ربما هذه المرة الأخيرة التي أرى فيها غزة.
كل شيء كان يسير جنوبًا: سيارات، شاحنات، تكاتك، عربات محمّلة بالأثاث والفرش والأدوات المنزلية.
السماء تعجّ بالطائرات، والأرض تغصّ بالنازحين، وعلى شاطئ البحر نساء ورجال يفترشون التراب ويحملون فتات ملابس وكسرة خبز.
كان كل شيء يشبه يوم المحشر… لكنه بلا وعدٍ بالخلاص.
الوصول إلى النصيرات
ليلٌ موحش، القصف يُلاحق حتى الذاكرة، والسماء تُضيء لا بنجومها، بل بصواريخ الموت.
تابعت روايتها قائلة: “هاتف يرن، إنها هبة… صوتها يرتجف، تسأل كل دقيقة: “وين وصلتوا؟ الطريق آمن؟”
طمأنتها، لكن قلبي لم يكن مطمئنًا”.
وأضافت: عدتُ بذاكرتي إلى أيام قريبة…
كنت أقود سيارتي من بيت لاهيا إلى النصيرات بثقة، الطرقات كانت آمنة، والحياة تدبّ في كل زاوية…كنا نعيش لا نحسب خطواتنا، ولا نخاف الغد.
بعد ساعات طويلة من القلق والإرهاق، لم يكن الوصول مجرد “وصول”، بل نجاة مؤقتة.
عند تبة النويري، نزلنا من السيارة، وركبنا أخرى أوصلتنا إلى قلب النصيرات.
في الشوارع… وجوه مرهقة، وعيون تبحث عن كسرة خبز أو مأوى أو خبر نجاة.
لحظة الاحتضان
وعن لحظة وصلوها لمنزل شقيقتها هبة التي وصفت بطوق النجاة قالت: “فتحت الباب مسرعة، كانت دموعها تسبق كلماتها، ارتميتُ في حضنها، كأنني أستعيد شيئًا من الأمان الضائع، واحتضنت بناتها لجين وجوري وكنزي، التففن حولي وكأنهن أجنحة سلام يحاولن حماية قلبي من الانهيار و يخبئنني من قسوة العالم“.
أما عبود، فقد تلألأ وجهه الصغير بفرحة الوصول بالسلامة، لكنه لم يصمد طويلًا أمام التعب، تمدّد على الأرض، غلبه النوم بلا موعد، وكأن جسده أعلن استسلامه بعد رحلة العناء والخوف قائلاً: “كفى”.
هذه غزة
رحلة واحدة تختصر وجع وطن، وبيت واحد صار ملجأً لعائلة كاملة، وحضن واحد يعيد شيئًا من الحياة.
اكتبوا كل شيء
هذه ليست مجرد قصة لأسرة نجت، بل شهادة حية على ذاكرة شعب بأكمله يُهجر، ويُقتل، ويقاوم… ليست مجرد رحلة نزوح، بل فصل من فصول تاريخ غزة الحزينة.
لا تسمحوا أن تُنسى التفاصيل.
فهنا… يولد التاريخ من بين الركام.





