للعام الثالث.. رمضان في غزة بين النزوح وندرة الغذاء وغياب مظاهر الفرح
شبكة الخامسة للأنباء - غزة

لا يشبه رمضان هذا العام ما سبقه في قطاع غزة، إذ يدخل الشهر الفضيل على سكانه للعام الثالث توالياً مثقلاً بالحرب والدمار والنزوح، في وقت تتراجع فيه أولويات الاحتفاء بالشهر أمام ضرورات البقاء وتأمين الغذاء والماء. وبين ركام المنازل وخيام الإيواء، يحلّ رمضان على مدينة أنهكتها الخسائر، وغابت عنها الزينة والفوانيس، لتحل مكانها مشاهد الركام والانتظار القلق
الشوارع التي كانت تتزين بالفوانيس وتضجّ بالأنشطة الرمضانية، باتت اليوم محاطة بالركام، فيما حلّ غبار الدمار محل روائح الحلويات والتوابل. وبينما تتلاشى مظاهر البهجة، يستعد السكان للصيام في ظل نقص حاد في المواد الأساسية، واستمرار المخاوف من تجدد العمليات العسكرية، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من طقوس الشهر الكريم رغم الظروف القاسية.
البحث عن الإفطار والسحور
في مخيم المغازي وسط القطاع، تجلس سعاد حمادة (36 عاماً)، وهي أم لأربعة أطفال، أمام خيمتها بعد نزوحها من حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، إثر تدمير منزلها جزئياً بغارة جوية.
وتقول في حديث لوكالة الأنباء الألمانية إن طفلها الأصغر (3 أعوام) يعاني مشكلات تنفسية نتيجة التعرض المستمر للغبار والدخان، ما ضاعف من صعوبة الحياة اليومية، لا سيما خلال الصيام. وتضيف أنها لم تعد تفكر في إعداد الحلويات أو تزيين المكان بالفوانيس، بل ينحصر اهتمامها في كيفية تأمين وجبتي الإفطار والسحور لأطفالها، في ظل نقص الخبز والخضروات واللحوم.
مأوى مؤقت وخوف دائم
وفي حي الشجاعية شرق مدينة غزة، يستقبل خالد المصري (50 عاماً) رمضان داخل مأوى مؤقت أقيم في مدرسة متضررة جزئياً. ويقول رب الأسرة المكوّنة من سبعة أفراد إنهم تنقلوا بين أربعة ملاجئ خلال العامين الماضيين بعد تدمير منازلهم بالكامل.
ويشير إلى أن الأطفال فقدوا الإحساس بالاستقرار، وأن كل يوم جديد يرتبط بالخوف من غارة جوية أو نزوح آخر، مضيفاً: “لم نعد نفكر في الزينة أو الفوانيس، بل في السلامة والطعام والماء فقط”.
نزوح واسع وخصوصية مفقودة
وتشير تقديرات محلية إلى أن غالبية سكان القطاع نزحوا مرة واحدة على الأقل منذ اندلاع الحرب، فيما اضطر كثيرون إلى النزوح المتكرر، ما جعل رمضان يُقضى داخل خيام وملاجئ تفتقر إلى الخصوصية وأبسط مقومات الحياة.
وباتت كل وجبة تُقاس بمدى توفر المواد الغذائية، وكل نشاط رمضاني مشروط بتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، بعيداً عن مظاهر الفرح الجماعي التي اعتادها الغزيون.
ويمتد الفقدان في غزة إلى ما هو أبعد من البيوت المدمرة، إذ لا تزال عائلات كثيرة تجهل مصير أبنائها. فليلى عبدالله (39 عاماً)، المهجّرة من خان يونس، تقول إنها لم تسمع عن ابنها (10 أعوام) منذ اختفائه أثناء محاولتهم عبور أحد الشوارع القريبة من المخيم خلال غارة.
وتوضح أن طفلها كان يساعدها في إعداد الإفطار، خاصة تحضير القطايف، التي شكلت تقليداً عائلياً في رمضان، مضيفة: “منذ فقده، لم أعد أستطيع الطهي كما في السابق.. كل شيء أصبح صامتاً ومؤلماً”.
أعباء اقتصادية وأسواق محدودة
من جانبه، يعيش محمد زكريا (62 عاماً)، المهجّر من رفح، مع أسرته في ملجأ مؤقت داخل مدرسة متضررة. ويؤكد أن الأوضاع الاقتصادية تشكل عبئاً إضافياً على العائلات، في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية وشبه انعدام مصادر الدخل.
ويقول: “نركز على تأمين الخبز والماء فقط، أما الحلويات والزينة فلم تعد ضمن أولوياتنا”.
بدورهم، أفاد تجار محليون بأن الأسواق تقتصر على السلع الأساسية، فيما تغيب الفوانيس والزينة الرمضانية، مع تركيز الأهالي على شراء الخبز والأرز والخضروات.
أرقام وخسائر مستمرة
وبحسب سلطات محلية في غزة، قُتل منذ إعلان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر الماضي 603 فلسطينيين، وأصيب 1618 آخرون. كما تقدّر الأمم المتحدة أن ما بين 8 آلاف و11 ألف شخص ما زالوا في عداد المفقودين جراء الحرب، فيما تنتظر عائلاتهم معرفة مصيرهم.
في ظل هذه المعطيات، يحلّ رمضان على غزة مثقلاً بالخسائر والغياب، حيث تتحول طقوس الشهر من احتفاء جماعي إلى محاولة يومية للصمود، وتأمين لقمة تسند العائلات في مواجهة واقع لا يزال مفتوحاً على كل الاحتمالات





