ثابتحكايا في زمن الحرب

حكايا في زمن الحرب.. حكاية أبو نصار الذي اختفى ونجا طفله بجروح

شبكة الخامسة للأنباء - غزة

حكاية أبو نصار الذي اختفى ونجا طفله.. حكايا في زمن الحرب إعداد: سهر دهليز – تصوير: أميرة أحمد

في مكانٍ تُرسم فيه الحدود بالخوف لا بالخرائط، يكفي أن تخطو خطوةً خاطئة لتتحول لحظة عادية إلى مأساة كاملة. في صباحٍ كان يُفترض أن يكون امتدادًا لفرحة عيد الفطر، انقلب المشهد في لحظات إلى حكاية ألمٍ لا تُحتمل. خرج أبٌ يحمل طفله الصغير بحثًا عن الحلوى، فعاد الطفل مثقلًا بالجراح، بينما غاب الأب في المجهول. بين خطٍ أصفر لا يظهر على الخرائط، لكنه محفور في الذاكرة والدم، وقصة عائلةٍ تبدأ يومٍ عاديًا… وانتهى بكارثة إنسانية.

صباح العيد الذي تحوّل إلى مأساة

في صباح اليوم الثاني من عيد الفطر، كان محمد أبو نصار (65 عامًا) يسير عبر أزقة مخيم المغازي متجهًا إلى السوق، حين قطع رنين هاتفه طريقه. جاءه صوتٌ مضطرب: “الحق ابنك أسامة… يتجه شرقًا نحو الخط الأصفر، ومعه ابنه الصغير.”
لم يحتج الرجل إلى تفسير. استدار فورًا وركض عائدًا، مدركًا تمامًا معنى “الشرق” في تلك المنطقة؛ حيث تبدأ، على بُعد نحو 200 متر فقط من البيوت، مساحة مكشوفة تنتهي عند ما يُعرف بـ”الخط الأصفر“—حدّ غير مرسوم على الخرائط، لكنه حاضر بقوة على الأرض.
هناك، وضعت قوات الاحتلال مكعبات خرسانية صفراء، كتحذير صامت: الاقتراب يعني الموت.

يقول أبو نصار:“حاولت أن ألحق به… لكن الناس أمسكوا بي، كانوا يخافون عليّ، لأن من يقترب يُقتل فورًا.”
فوقف عاجزًا، لا يستطيع التقدم، ولا يعرف ماذا يحدث لابنه وحفيده.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

خطوات نحو المجهول تحت النار

وفي وقت لاحق قال شهود كانوا يراقبون من أماكن مرتفعة ما رأوه: “كان أسامة يسير نحو الشرق، يحمل طفله الرضيع جواد (عام و10 أشهر) على كتفيه. لم يكن يركض أو يختبئ، بل يمشي بخطى مضطربة، كأنه لا يدرك وجهته”.

لا يعرف الأب لماذا أقدم أسامة على ذلك، لكنه يجزم أنه لم يكن في وعيه الكامل، قائلاً: “قبل الحادثة بأسبوعين، بدأت حالته النفسية تتدهور بشكل واضح؛ حطّم نوافذ المنزل وأثاثه، ودخل في مشادات مع الجيران وأفراد أسرته، دون إدراك كامل لتصرفاته”.

وأضاف: “تحاول العائلة تفسير ما حدث، وترجّح أن نقطة التحول كانت قبل شهرين، حين قُتل حصانه في قصف، حيث كان الحصان مصدر رزقه الوحيد، يجرّ عربة يعتاش منها، ومع فقدانه خسر عمله وقدرته على إعالة أسرته، فتبدلت حياته بالكامل”.

وتابع حديث: “في صباح الحادثة، بدا أسامة طبيعيًا. أخبر والدته أنه سيصطحب ابنه لشراء الحلوى، وحمله على كتفيه وغادر. لكن الطريق انحرف؛ فبدلًا من الاتجاه غربًا، سار شرقًا نحو المنطقة المكشوفة، مع اقترابه، بدأ إطلاق النار. لم تُصبه الطلقات في البداية، لكنها كانت كفيلة بردع أي إنسان—إلا أنه لم يتراجع “كان كأنه لا يسمع”.

بعد لحظات، ظهرت طائرة مسيّرة على ارتفاع منخفض، مزودة بمكبر صوت، تصدر أوامر مباشرة. عندها تغيّر سلوكه.
توقف أسامة—وكان قد أُصيب برصاصة في كتفه وفق ما أبلغت به اللجنة الدولية للصليب الأحمر العائلة—وأنزل الطفل عن كتفيه، ثم بدأ بخلع ملابسه كما طُلب منه.

طفل عاد… وأب غاب

في تلك اللحظة، انفصل الأب عن ابنه. تقدّم أسامة نحو الجنود، وبقي الطفل خلفه… قبل أن يختفيا معًا.

ساعات طويلة مرت على العائلة في قلقٍ قاتل، دون أي معلومة عن مصيرهما. حتى الساعة العاشرة مساءً، حين تلقت اتصالًا من ممثلي الصليب الأحمر: تم تسليم الطفل، والأب مصاب.

توجه الجد إلى السوق، حيث تسلم حفيده ملفوفًا بغطاء خفيف. وعندما حمله، لاحظ آثار دم على ملابسه. قيل له إن الدم يعود لوالده المصاب.

عاد الطفل إلى المنزل، وما إن احتضنته أمه حتى انفجر بالبكاء—بكاءٌ مختلف، حاد ومتواصل، وعند فحصه ظهرت إصابات واضحة في قدميه: جروح، نزيف، وآثار حروق غامضة.

في مستشفى شهداء الأقصى، كشفت الفحوصات الحقيقة الصادمة: لم تكن إصابات عشوائية، بل آثار تعذيب متعمد، بحسب الأطباء.

أفادوا بوجود حروق يُرجّح أنها ناتجة عن ولاعة أو أعقاب سجائر، إضافة إلى ثقب عميق في الساق يشير إلى إدخال أداة حادة.

تعتقد العائلة أن الطفل تعرّض للتعذيب للضغط على والده، رغم حالته النفسية غير المستقرة.

منذ تلك الليلة، لم يعد جواد كما كان. يعاني من آلام مستمرة، لا ينام، يبكي بلا توقف، ترتفع حرارته ويتقيأ أحيانًا.
تقضي والدته الليل بجانبه، تضع الكمادات، تدهن جراحه، وتنتظر أن يخف الألم.
أما الأب، فما زال مصيره مجهولًا.

لتبقى تفاصيل ذلك اليوم عالقة في ذاكرة العائلة: رحلة عيدٍ بسيطة لشراء الحلوى… انتهت بفقدان الأب، وعودة طفلٍ لم يعد كما كان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى