محمد وشاح… الصحفي الذي لم يغادر الميدان حتى غادر الحياة
شبكة الخامسة للأنباء - غزة

محمد وشاح … أقمار الصحافة إعداد: سهر دهليز
لم يكن محمد وشاح مجرد صحفي ينقل الخبر من قلب الحدث، بل كان شاهدًا حيًا على وجعٍ يومي، وراويًا لحكايات شعبه تحت النار. رحل جسده، لكن صوته ظل عالقًا في تفاصيل المكان، وفي قلوب من عرفوه، تاركًا وراءه سيرة إنسان لم يكن عاديًا… لا في حياته، ولا في رحيله.
وُلد محمد سمير محمد وشاح عام 1986 في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة، ونشأ في بيئة قاسية صاغت مبكرًا وعيه وإصراره. دخل عالم الصحافة عام 2006 عبر تلفزيون “الأقصى” الأرضي، قبل أن ينتقل إلى نسخته الفضائية مراسلًا ميدانيًا، حيث واكب أحداثًا مفصلية في تاريخ القطاع، واكتسب خبرة متسارعة في واحدة من أكثر بيئات العمل تعقيدًا وخطورة.
بين عامي 2010 و2014، خاض تجربة إعلامية أوسع مع قناة TRT التركية الناطقة بالعربية، ما أتاح له توسيع أفقه المهني وتعزيز حضوره خارج الإطار المحلي. لكن محطته الأبرز بدأت عام 2014، حين التحق بقناة “الجزيرة مباشر”، حيث بقي حتى لحظة استشهاده، ناقلًا صورة الواقع كما هو، دون رتوش.
ورغم دراسته تخصص التحاليل الطبية، لم يمارس وشاح هذا المجال، إذ اختار منذ وقت مبكر طريق الإعلام، متمسكًا به لأكثر من عشرين عامًا، مؤمنًا بأن الكلمة قد تكون سلاحًا لا يقل أثرًا عن أي شيء آخر.
“لم يكن حبيبًا عاديًا”… وجع الزوجة
لم يكن فقد محمد مجرد غيابٍ لشخص، بل انهيار عالمٍ كامل في قلب زوجته إسراء وشاح قائلة: “لو لم يكن الفراق عظيمًا، لما عظّمه الله في قلوبنا… فكيف إذا كان فراق مُحبٍّ كـمحمد؟… محمد لم يكن يومًا حبيبًا عاديًا، بل كان حبيبي وأخي وأبي وسندي وصديقي… كل من عرفه يعلم حجم حبه لي، وحبي له.”
تستعيد كلماته الأخيرة، وكأنها لا تزال عالقة في الهواء: “قال لي: أنا مش عارف أطلع بدونك… بدي أجي أخذك، بس بدي أروح مشوار، وأول ما أخلص بكلمك.”
لكن ذلك الاتصال كان الأخير… بعدها جاء خبر الاستشهاد.
تابعت وشاح حديثها والألم يعتصر قلبها: “كنت أتمنى أن أكون معه… كان ذلك شرفًا لي. أشعر أنني لا شيء بدونه”، مشيرًة إلى يوم استشهاد أنس، الذي لم تشعر أنه مجرد خبر… بل شعرت وكأنه تهديد لها، وكأنهم لم يقتلوا أنس فقط، بل قتلوني معه. تسلّل إليّ إحساس بأن الأجل قد اقترب.
وأضافت: “طوال عامين، لم نلتقِ بمحمد إلا لدقائق معدودة، كان دائم الخوف علينا من الاستهداف، حتى عندما كنا نزوره في الخيمة. كان حريصًا علينا بشدة… وقد صدق وعده، فصدّقه الله”.
واليوم، تحاول أن تتمسك بوصيته:
“أنا الآن على عهده… سأكون كما أرادني إسراء القوية، المتماسكة، ومشرّفة له. سأكون لأبنائي الأم والأب معًا… كأنه ما زال بيننا.”
“اليُتم الذي تأخر”… حكاية عمّته
أما عمّته سمية وشاح، فتختصر الفقد بكلماتٍ موجعة: “أنا تربّيت يتيمة، فقدت والديّ منذ زمن… لكنني لم أشعر بثقل اليُتم إلا بعد رحيل محمد”.
تتحدث عنه كابنٍ لا كابن أخ: “كان نور عيني… حنونًا بشكل لا يوصف. كان دائمًا يقول لي: يا عمتي، أنا لكِ، وأنا معكِ دائمًا”، أثناء زياراته لها مع زوجته وأطفاله، ويتركهم عندها مطمئنًا قائلاً: “أنتم في أمان عند عمتي”.
وترى وشاح أن رحيله لم يكن مجرد فقد، بل كسر داخلي: “برحيله، شعرت أن جزءًا مني انكسر… وأن اليُتم الذي لم أعرفه من قبل، أصبح حقيقة أعيشها كل يوم”.
لحظة الاستهداف والاستشهاد
وفي الثامن من أبريل/نيسان 2026، وبينما كان في طريق عودته من خيمة عمله إلى منزله في مخيم البريج، استهدفته طائرة استطلاع إسرائيلية بصاروخ أصاب سيارته بشكل مباشر على شارع الرشيد الساحلي جنوب مدينة غزة. استُشهد وشاح على الفور، برفقة شخص آخر، فيما تحولت السيارة إلى كتلة من اللهب على جانب الطريق.
وفي بيان رسمي، وصفت شبكة الجزيرة الإعلامية التي يعمل ضمن طاقمها اغتياله بـ”الجريمة النكراء”، مؤكدة أنه يأتي في سياق استهداف ممنهج للصحفيين، وأن العملية لم تكن عشوائية، بل تهدف إلى ترهيب الإعلاميين ومنعهم من أداء رسالتهم في نقل الحقيقة، محمّلة قوات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن الجريمة.
وفي صباح اليوم التالي، شيّع عشرات الفلسطينيين جثمانه من مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، قبل أن يُنقل إلى مخيم البريج، حيث صُلّي عليه في المسجد الكبير، ودُفن تنفيذًا لوصيته.
حكاية لا تنتهي
وفق زملائه الذين رافقوه لسنوات، كان محمد وشاح يتميز بشجاعة لافتة، إذ لم يتردد يومًا في الوصول إلى النقاط الساخنة لتغطية الأحداث ونقل الحقيقة من قلب الميدان.
يمتلك شبكة علاقات واسعة ساعدته على الوصول السريع والدقيق إلى المعلومات، لتنقّله باستمرار بين مختلف مناطق قطاع غزة، من معبر رفح جنوبًا إلى بيت حانون شمالًا.
وأكد زملاؤه أنه كان شديد الالتزام بالمهنية، يفصل دائمًا بين آرائه الشخصية وما ينقله للجمهور، ويقدّم مادته الإعلامية بصياغة دقيقة حتى في أصعب وأشد اللحظات توترًا. كما امتلك حضورًا قويًا أمام الكاميرا وكاريزما خاصة جعلته وجهًا مألوفًا وموثوقًا لدى المشاهدين.
رحل محمد وشاح، لكنه لم يغادر الحكاية. بقي حاضرًا في ذاكرة المكان، وفي كلمات أحبّته، وفي كل قصة كان يسعى لنقلها. اختار طريقًا كان يعلم جيدًا إلى أين يقود… طريق الكلمة، وطريق الحقيقة، بكل ما يحمله من ثمن.

















