أبو مدلله للخامسة للأنباء: تراجع الدولار عالميًا يتحول في غزة إلى عبء معيشي وتآكل في القدرة الشرائية

الخامسة للأنباء - غزة
أكد المحلل الاقتصادي الأستاذ الدكتور سمير أبو مدلله أن التراجع الأخير في سعر الدولار عالميًا يعود إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، في مقدمتها توجهات السياسة النقدية الأمريكية، لا سيما مع تزايد التوقعات بتخفيف أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الأمر الذي يقلل من جاذبية الأصول المقومة بالدولار.
وأضاف أبو مدلله في تصريح خاص لشبكة الخامسة للأنباء: “أن تحسّن أداء بعض الاقتصادات الكبرى، مثل أوروبا والصين، يسهم بدوره في تعزيز الطلب على عملاتها مقابل الدولار، إلى جانب تراجع الثقة النسبية نتيجة ارتفاع الدين والعجز المالي في الولايات المتحدة، فضلًا عن توجهات دولية متزايدة لتقليل الاعتماد على العملة الأمريكية في التجارة العالمية”.
وأوضح أن هذا التراجع، وإن كان يعكس في جزء منه دورات اقتصادية قصيرة إلى متوسطة الأجل، إلا أنه يحمل في طياته أيضًا مؤشرات على تحوّل تدريجي طويل الأمد نحو نظام نقدي عالمي أقل اعتمادًا على الدولار، دون أن يعني ذلك انهيارًا وشيكًا، بل تآكلًا نسبيًا في النفوذ.
وفيما يتعلق بانعكاسات هذا التراجع على اقتصاد غزة، بيّن أبو مدلله أن الأثر النظري لانخفاض الدولار يتمثل في تراجع تكلفة الاستيراد ومن ثم انخفاض الأسعار وتحسّن القوة الشرائية، إلا أن هذه الآثار لا تظهر بوضوح في الواقع المحلي.
وأرجع ذلك إلى طبيعة الاقتصاد المقيد، في ظل الحصار والقيود، إضافة إلى صغر حجم السوق ووجود احتكارات جزئية، فضلًا عن الاعتماد الأكبر على الشيكل الإسرائيلي، وارتفاع التكاليف غير المرنة كالنقل والتخزين والمخاطر.
وأشار أبو مدلله، إلى أن ما يحدث يمثل حالة واضحة من “تشوّه آلية انتقال الأسعار”، حيث لا تنعكس التغيرات العالمية على السوق المحلية بالشكل المتوقع.
وأوضح أن من أبرز أسباب ذلك ضعف المنافسة، وعدم استقرار الإمدادات، وتعدد العملات، إلى جانب سلوك تسعيري قائم على توقعات المخاطر والتضخم، ما يجعل الأسعار تميل إلى الثبات عند الانخفاض، بينما ترتفع بسرعة عند أي زيادة في التكاليف الخفية المتمثلة في الرسوم وإغلاق المعابر أو حتى تلف البضائع.
وأكد أبو مدلله أن الأفراد الذين يتقاضون رواتبهم بالدولار هم الأكثر تضررًا من هذا التراجع، إذ تنخفض قيمة دخولهم الفعلية مقابل الشيكل، في وقت لا تشهد فيه الأسعار انخفاضًا موازياً، ما يؤدي إلى تراجع واضح في القوة الشرائية، لافتًا إلى أن المستهلك عمومًا لا يستفيد من انخفاض الدولار، بينما يتمكن بعض التجار من الحفاظ على هوامش ربح أعلى نتيجة بطء تمرير الانخفاضات السعرية.
وختم تصريحه بالتأكيد على أن انخفاض الدولار، الذي يُفترض أن يشكّل فرصة لتحسين مستوى المعيشة، تحوّل في غزة إلى عبء إضافي نتيجة غياب المنافسة الكاملة، وتشوه هيكل السوق، واستمرار القيود على حركة السلع، وضعف الرقابة الاقتصادية، مشيرًا إلى أن الواقع يعكس نموذجًا لاقتصاد مقيد تفشل فيه آليات السوق في نقل الإشارات النقدية إلى الحياة اليومية، حيث ينخفض الدخل دون أن تقابله انخفاضات في الأسعار، ما يؤدي في النهاية إلى تدهور مستوى المعيشة.



