أقمار الصحافةالرئيسية

الشهيد المصور يحيى برزق.. عاش لينقل الحقيقة واستشهد وهو يصنعها

الخامسة للأنباء - غزة

الشهيد المصور يحيى برزق .. أفمار الصحافة إعداد: إيمان غنام

بين ثنايا الركام، وفي قلب الحصار الذي يحاول خنق الأنفاس، تولد حكايات لا يكتبها الحبر، بل يسطرها الصمود .. قصة الشهيد المصور يحيى برزق ليس مجرد خبر عابر في شريط الأنباء.. يحيى لم يكن يطارد الموت، بل كان يقتفي أثر الحياة في أكثر الأماكن عتمة؛ كان يؤمن أن خلف كل صرخة وجع، وأن هناك حكاية كرامة تستحق أن تُرى، وأن خلف كل غبار انفجار.. هناك ملامح إنسان يرفض الانكسار.

حمل كاميرته كأمانة ثقيلة، وجعل من عدسته نافذة يطل منها العالم على وجع غزة وكبريائها، مدركاً أن الثمن قد يكون غالياً، لكنّ صوت الحقيقة أغلى.

نشأته وعمله

وُلد الشهيد يحيى محمد برزق في مدينة غزة عام 1997، ونشأ في عائلة فلسطينية مكافحة في حي الرمال بمدينة غزة، وعُرف بشغفه بالإعلام منذ صغره، تلقى تعليمه المدرسي في مدارس مدينة غزة، والتحق بـجامعة الأزهر في غزة، حيث تخصص في مجال الصحافة والإعلام، وصقل موهبته في الكتابة والتحرير الصحفي خلال سنوات دراسته الجامعية.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

عمل كمحرر ومعد أخبار لعدة منصات إخبارية فلسطينية ، كما تعاون مع عدد من الوكالات والقنوات العربية، وعمل كمنتج  للمحتوى الإخباري ومراسل ميداني، حيث كان ينقل معاناة المواطنين في غزة، كما عمل  مع TRT، وكان معروفاً على نطاق واسع بتوثيق الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة.

كما عُرف يحيى بنشاطه الإعلامي المكثف،  وعمل مع عدة مؤسسات محلية وعربية، منها: وكالة الصحافة الفلسطينية (صفا)، عمل فيها كصحفي ومحرر، وبرز في تغطية الأخبار الميدانية والسياسية.

من مصور الأطفال.. إلى مصور الدمار

قبل الحرب، كانت صفحته على منصة انستغرام مليئة بصور أطفال رُضّع مُصمَّمة بعناية، التُقطت في استوديو خاص له بمدينة غزة حيث عرف بـ”مصور الأطفال“، ملأ ذاكرة غزة بصور براءتهم وضحكاتهم، لكنه منذ بدء الحرب بدأ مشاركة صور ومقاطع فيديو ينعى فيها الأطفال الذين استُشهدوا.

كتب يحيى عن بداياته على فيسبوك: “عندما بدأت رحلتي كمصور للأطفال والمواليد في غزة، كنت ألتقط صورًا تنبض بالأمل والحياة، أطفالًا جدد يزينون هذا العالم بابتساماتهم البريئة. كنت أحلم دائمًا أن أشارك قصتي السعيدة مع الجميع، وأقول لكم: مشاهدة ممتعة أتمنّاها لكم”.

لكن الحرب غيّرت كل شيء.. تحولت عدسته من توثيق البدايات إلى رصد النهايات، صار يصور الركام بدل الاستوديو، والدموع بدل الضحكات، ومع ذلك، لم يفقد إيمانه بأن الصورة يمكن أن تنقذ الحقيقة من الموت. كان يتواجد في الصفوف الأولى، ويخاطر بحياته لضمان وصول الصورة الصادقة، مؤمناً بأن “المصور لا يموت ما دامت صورته حية”، لم يكتفِ بتصوير الحرب، بل وثق إرادة الحياة في أزقة غزة وأسواقها، محاولاً إثبات أن الجمال موجود رغم الحصار.

ذاق برزق مرارة النزوح وأهوال الدمار والقصف كحال أهل غزة. حيث بعد تجدد الحرب مرة أخرى في مارس 2025، كتب على صفحته على إنستغرام وكأنما يودع عمله وحكايته ووجوه الأطفال. قائًلا: “عدنا من النزوح الأول وعاد إلينا الشغف، لكن ما إنْ تنفسنا الصعداء حتى استؤنفت الحرب من جديد وبشكل أعنف.. اليوم نُجبر على النزوح مجدداً من مدينة غزة وترك الاستديو، لأعلن بذلك انتهاء حكاية استديو يحيى برزق”.

مع تصاعد القصف، تحولت عدسته إلى أداة توثيق للمأساة اليومية. فقال يحيى: “مع مرور الأيام وتحت وطأة الحرب، تحولت قصتي إلى شهادات حزينة.. قصتي التي كنت أتمنى أن تكون ملهمة، أصبحت مأساوية تعكس وجع وطن”.

صوت شجاع

قال رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية برهان الدين دوران عنه إن “يحيى. الذي شهدنا قصته في الفيلم الوثائقي (غزة باقية في صوري)، الذي أنتجته TRT World. أصبح محفوراً في ذاكرتنا صوتاً شجاعاً يسعى وراء الحقيقة في ظل الاحتلال والقمع”.

وأضاف: “هذا الهيكل المتوحش، الذي يضيف جرائم حرب جديدة إلى قائمته كل يوم. سيُدان ليس فقط في ضمير الإنسانية، بل بموجب القانون الدولي أيضاً”.

أما المدير العام لشبكة TRT زاهد صوباجي، نعاه قائلًا.: “نحن في غاية الحزن، فقد استُشهد أخونا يحيى برزق، الصحفي والمصور المستقل المتعاون مع TRT في غزة. في اعتداءات الكيان الصهيوني، ونسأل الله أن يتغمده  بواسع رحمته”.

وأشار صوباجي إلى أن يحيى متمسكاً بكاميرته حتى اللحظة الأخيرة. مؤدياً واجبه المهني والأخلاقي تجاه شعبه، موضحًا أن “إسرائيل لن تستطيع من خلال قتل الصحفيين أن تُخفي جرائمها ضد الإنسانية. وكل قطرة دم سفكتها ستُحاسَب عليها عاجلاً أم آجلاً”.

كما ذكره زملاؤه دائماً بأنه كان “نسمة الميدان”. يوزع التفاؤل على الجميع رغم ضغط العمل وخطورة المكان.

ارتقى يحيى.. وبقيت العدسة شاهدة

استشهد يحيى برزق في 30 سبتمبر 2025 في قصف اسرائيلي استهدف المواطنين في شارع البيئة في دير البلح وسط القطاع. حيث كان جالسًا في مقهى يعرض فيه الصور التي التقطها. ضمن استهداف ممنهج من قبل الاحتلال الإسرائيلي لكل صوت وصورة تظهر جرائم هذا الاحتلال.

ولأن إكمال المسيرة هي المسلمات في الشعب الفلسطيني. فقد أعلنت زوجته نهروان برزق استكمال مسيرته في تصوير الأطفال والمواليد في استيديو “يحيى برزق ” لتكمل مسيرته ومهنته التي أحبها.

إن حكاية الشهيد المصور يحيى برزق هي حكاية “الصورة التي هزمت الموت”.. رحل يحيى جسداً، لكن بصمته البصرية ستظل محفورة في ذاكرة الأجيال. تذكر الجميع بأن هناك خلف كل صورة شهيداً ضحى بروحه لكي يرى العالم الحقيقة كما هي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى