أقمار الصحافةالرئيسية

الزهراء أبو سخيل.. الصوت الذي بقيَّ شاهدًا على الإبادة

الخامسة للأنباء - غزة

الزهراء أبو سخيل .. أقمار الصحافة إعداد: آمنة غنام

في غزة.. يغدو ارتداء سترة الصحافة أشبه بالسير في حقل ألغام، ولكن عندما يأخذ الصحفي على عاتقه أمانة نقل الكلمة ووجع الناس فيصبح تقبل الموت والخطر أمر اعتيادي يعيشه الصحفي كما يعيش تفاصيل يومه.

الشابة الزهراء أبو سخيل لم تكن تبحث عن العناوين، بل عن الإنسان في تفاصيل الركام، حيث شقت طريقها بثبات نحو حملها بأن تصبح مراسلة تلفزيونية، تحمل صوت شعبها الذي لم يعيش إلا الآلام ولم يذق سوى الويلات، ولكن في غزة.. تفقأ عين الحقيقة ويرتقي ناقل الرسالة لتبقى آذان العالم صماء عما يعيشه الفلسطينيون.

حلم الطفولة

ولدت الشهيدة الزهراء محمد أبو سخيل في الثامن من أغسطس عام 2002م، في مدينة غزة، منذ نعومة أظافرها كانت تخبر من حولها بأنها ستكبر لتصبح صحفية، كانت فصيحة اللسان إذ تتلمذت على يد والدها مدرس اللغة العربية، والذي حرص على تعليم أبنائه الفصحى وسلامة النطق، درست في قسم الصحافة والإعلام بجامعة الإسراء بغزة وكان حلمها الأكبر أن تقف أمام الكاميرا كمراسلة تلفزيونية معروفة ولكن الحرب بعثرت آمالها في التخرج .

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

لكن الزهراء لم تتوقف بل تابعت في طريقها حيث كانت تؤمن أن الصحافة ليست مهنة فقط، بل رسالة ومسؤولية، ولذلك مضت خلف حلمها رغم أهوال الحرب، ليضع صاروخ إسرائيلي خاتمة قسرية لذلك الحلم .

أمنيات لم تتحقق

شقيقتها آية كان ألمها لا يوصف عندما تلقت نبأ استشهاد والدها وشقيقتها الزهراء وشقيقها أحمد، فبعد النزوح القسري الذي انتقلت عائلتها إلى جنوب القطاع بينما بقيّ الثلاثة _الزهراء وأحمد ووالدهما_ في غزة، على أمل أن تتوقف تلك الحرب ويعاد لم شمل العائلة، ولكن بقيت تلك أمنية معلقة لم تتحقق.

تقول آية للخامسة: “كانت الزهراء على ثقة عالية بنفسها وتدرك أنه سيأتي يوم وتصبح صحفية معروفة يشار إليها بالبنان. وكان شغفها كبير بعملها كصحفية حتى قبل الحرب حيث كانت ترى الصحفية شيرين أبو عاقلة وغيرها من الصحفيات المؤثرات كقدوة احتذت بهن. أرادت أن تكون ملهمة للعالم أجمع، ومع اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة. رفعت صوتها الصداح لتحكي للعالم عن جرائم الاحتلال على الرغم من خطورة ظهورها كإعلامية نظرًا لاستهداف الصحفيين”.

وتابعت: “الزهراء لم تكن تتخذ الصحافة كمهنة بل كنهج وطريق لتكمل رسالتها في الحياة. واتخذت الدرع الصحفي والخوذة ملازمين لها لتترك لها بصمة في كل مكان تكون فيه ولتذكر العالم أن لغزة صوت وأن الصحفية الزهراء كانت هنا يومًا .. إن الزهراء زهرة الصحافة وريحانتها ومع ارتقائها قد أتمت رسالتها بكل تفاني”.

ولفتت آية إلى أن شقيقتها واجهت صعوبات كثيرة منها النزوح المتكرر والتواجد في الأماكن الخطرة حيث أن معظم الصحفيين نزحوا جنوبًا وقلة من بقيَّ في الشمال. مشيرة إلى أن الزهراء كانت تتخطى كل الحواجز حتى تنقل الصورة الحقيقة للحرب البشعة التي أنهكت غزة.

الزهراء أبو سخيل

وكحال كل العائلات التي تفرق شملها ما بين النزوح والبقاء كانت عائلة الزهراء تحاول التواصل معهم ولكن انقطاع الاتصالات لعدة أيام. واستهداف الشبكات كان كثيراً ما يجعل التواصل صعب، ناهيك عن المجاعة التي كانت تنهش في أبدانهم لتكتمل كل تفاصيل المأساة.

وعن افتقادها لوالدتها قالت شقيقتها كانت فترتها الأخيرة قبل ارتقائها تهاتفهم في أوقات متقاربة، تتفقدهم، وتسمع أصواتهم لعلها تستمد بعض الطمـأنينة منهم. وقبل استشهادها بيومين كتبت الزهراء لوالدتها على صفحتها الشخصية عبر منصة “فيسبوك”. وكأنها تودعها بكلمات ستبقى ذكرى لها حيث كتبت :” أمي !! سندي الهائل وتهويدة عُمري الحنونة”.

وبعد الهدنة والعودة من الجنوب، لم تعد غزة كما كانت ولم تجد آية ووالدتها وأشقائها من ذكريات الراحلين سوى بعد المتعلقات التي تعود للزهراء وأحمد ووالدهم، ورحيل لم يكتب له حتى الوداع .

كانت الزهراء تحلم بالسفر مع والدتها لأداء العمرة، وتخطط لرحلة مع شقيقتها آية بعد انتهاء الحرب. وبقيت أحلامها مجرد أحلام.

أما صديقتها ظريفة أبو قورة وصفتها بأنها الخلوقة المهذبة التي لم تحمل فيها قلبها حقدًا. وتابعت:” كانت الزهراء سريعة الرضا، اجتماعية محبة لمن حولها تم يد العون لمن يحتاجها “. موضحة أن الشهيدة زهراء ورغم أنها كانت تعمل إلى جانب دراستها، لم تتخلَّ يومًا عن مساعدة الطلبة الجدد في تخصص الصحافة.

وفي مشهد اعتبرته الوداع الأخير لكل ما هو جميل، اشارت إلى أن عام 2022، اختارت إدارة الجامعة الشهيدة الزهراء لتكون عريفة حفل التخرج. حيث أظهرت حضورًا لافتًا وثقة كبيرة بالنفس، وأضافت: “وكأن الله أراد أن تشهد زهراء آخر حفل تخرج في جامعتنا… وللأسف في حياتها أيضًا”.

من بيت إلى استديو

عملت الزهراء مراسلة لصالح الجزيرة مباشر، حيث كانت تبث تقارير عن الواقع المأساوي الذي يعيشه الغزيين في ظل المجاعة والنزوح. والقصف الإسرائيلي المتواصل على مدار الساعة.

كما ظهرت عبر شاشة شبكة الإعلامية نيوز والميادين، مقدمة تغطيات وتقارير ميدانية رغم الخطر المتزايد على الصحفيين. حيث كان منزل العائلة بمثابة “استوديو صغير”.

تكتب الزهراء النصوص، ثم يراجعها والدها المدرس والشاعر الذي كان يعتبر الداعم الأول لها. بينما يساعدها شقيقها أحمد — الذي عمل مصورًا ومونتيرًا في الإعلامية نيوز— في تصوير التقارير ومونتاج الفيديوهات ، شكل ثلاثتهم فريقًا متماسكًا حتى في رحيلهم.

فراق دون لقاء

خلال اجتياح قوات الاحتلال لمحيط مجمع الشفاء الطبي في مارس/آذار 2024. كانت العائلة نازحة داخل المجمع، ومع تصاعد العمليات العسكرية، تفرقت الأسرة؛ نزحت الأم نحو جنوب غزة، بينما بقيت الزهراء ووالدها وأحمد في الشمال.

وفي صباح التاسع من نوفمبر 2024 تلقت العائلة خبر الفاجعة. ارتقت الزهراء ووالدها وشقيقها وثلاثة آخرين في قصف إسرائيلي استهدف مدرسة فهد الصباح في مدينة غزة. اختلطت أشلائهم فدفنوا سويًا في قبر واحد.

ارتقت الزهراء إلى السماء دون أن ترتقِ سلم النجاح الذي كانت تحلم فيه. لحقت بركب الشهداء الصحفيين الذين لم يكن لهم ذنب سوى هويتهم الفلسطينية وثباتهم في مواجهة الموت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى