كأس العالم 2026 في عيون الفلسطينيين.. بين شغف الكرة ومرارة الحرب
كرة القدم مساحة صغيرة للأمل في حياة أثقلتها الحرب، ونافذة يطلون منها على عالم مختلف ولو لتسعين دقيقة فقط

الخامسة للأنباء - غزة
كأس العالم 2026 في عيون الفلسطينيين.. تقرير خاص إعداد: آمنة غنام
مع انطلاق مباريات كأس العالم 2026، تتجه أنظار ملايين المشجعين حول العالم نحو الملاعب الأميركية والكندية والمكسيكية، لكن المشهد في قطاع غزة يبدو مختلفاً تماماً.
فبين الخيام المهترئة والأحياء المدمرة ومراكز النزوح، يحاول الفلسطينيون اقتناص لحظات نادرة من الفرح عبر متابعة مباريات مونديال 2026. رغم ما يحيط بهم من أزمات معيشية وأوضاع كارثية متواصلة.
في “مخيم سلسبيل” للنازحين يجتمع الشبان حول جهاز” اللاب توب”. يشاهدون المباراة بحماسة عالية، شاعرين أنفسهم أنهم داخل المدرجات ويحضرون المباراة بشكل مباشر. ولكن بسبب ضعف الإنترنت أو نفاذ بطارية الجهاز تُقتل تلك الحماسة، ليتفرق كل منهم نحو مصدر آخر ليشاهد المباراة .
كأس العالم 2026 في عيون الفلسطينيين
يقول محمد أبو سليم (27 عاماً) _ نازح من الشجاعية_.: “كرة القدم أصبحت وسيلتنا الوحيدة للهروب من الواقع لساعات قليلة. عندما تبدأ المباراة ننسى أصوات “الزنانات” التي تأكل رؤوسنا والأخبار المؤلمة، ونعيش أجواء مختلفة ولو بشكل مؤقت”.
أما الشاب أحمد الحداد (22 عاماً). فيؤكد أن ظروف الحرب غيّرت علاقة الناس بالمونديال قائلاً: “في البطولات السابقة كنا نجتمع مع الأصدقاء ونزين الشوارع بأعلام المنتخبات. أما اليوم فالأولوية للبقاء وتأمين الاحتياجات الأساسية، ومع ذلك نحاول ألا نفقد كل تفاصيل الحياة”.
ويستذكر المواطن أبو محمد (45 عاماً) _النازح من مدينة رفح_ أيامه قبل الحرب قائلاً.: “كنا نخطط للمباريات قبل فترة من انعقادها، ونتفق مع الأصدقاء على مشاهدتها معاً، كانت البطولة مناسبة للفرح والاجتماع”. مشيراً إلى المشهد تغير بشكل كبير، فالكثير من الأصدقاء استشهدوا، والعائلات فقدت منازلها أو نزحت من مناطقها.
ويتابع :” أصبحت متابعة المباريات مرتبطة بتوفر الكهرباء والإنترنت والظروف المعيشية الصعبة. ولأن المباريات تذاع في أوقات متأخرة حسب التوقيت المحلي لا يتوافر فيها اتصال إنترنت. نتصفح اليوم التالي موقع الخامسة ومنصاتها لمعرفة نتائج المباريات التي فوتناها”.
بينما الشاب براء السيد (18 عامًا) والنازح في مخيم الفجر، يقول للخامسة بكلمات ضاحكة.: ” يوم مباراة المغرب والبرازيل كان والدي سيطردني خارج الخيمة. حيث كانت المباراة بعد منتصف الليل وأشاهدها على الجوال ولابد من التفاعل الحماسي مع اللعب والأداء للفرق. فمع كل صوت وكلمة “شوت” كنت أهدد بالطرد لأني أيقظتهم من نومهم “.
وعلى الرغم من قلة الإمكانيات وظروف الحرب التي ما زالت غزة تتجرعها. تحافظ المقاهي وبعض الخيام الجماعية على تقليد التجمع لمشاهدة المباريات وتزيين بواباتها بأعلام الدول المشاركة. حيث تتحول إلى مساحات للتفاعل والنقاش حول النتائج والتوقعات.
من جهتها ترى الأخصائية النفسية إيمان النجار أن البطولة تمثل للمراهقين والشباب مساحة للتفكير في أمور بعيدة عن المعاناة اليومية. وتقول: “عندما يتحدث الشباب عن المنتخبات واللاعبين أشعر أنهم يستعيدون جزءاً من حياتهم السابقة، الرياضة تمنحهم أملاً وشعوراً بأن هناك حياة خارج حدود الأزمات.”
وتتابع :” الأحداث الرياضية الكبرى مثل كأس العالم توفر ما يُعرف بـ”الاستراحة النفسية المؤقتة”، إذ تمنح الأفراد فرصة لتحويل انتباههم بعيداً عن الضغوط اليومية”. موضحة أن متابعة كأس العالم لا تعني تجاهل الواقع، بل تمثل إحدى آليات التكيف النفسي الصحية.
كرة القدم لغة مشتركة
في الضفة الغربية لا يختلف المواقع عن غزة، ففي مدن رام الله ونابلس والخليل، تستقبل المقاهي والمراكز الرياضية المشجعين خلال البطولة. حيث اعتادت على تنظيم عروض جماعية للمباريات الكبرى، خصوصًا مواجهات الأدوار الإقصائية والنهائي.
وعلى الرغم من الاقتحامات والمداهمات اليومية التي يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي في قرى ومدن الضفة. إلا أن أصحاب المقاهي يؤكدون أن بطولات كأس العالم غالبًا ما تشهد إقبالًا كبيرًا. إذ يفضل كثير من الشباب متابعة المباريات وسط أجواء جماعية تضفي مزيدًا من المتعة والإثارة.
لا تقتصر متابعة المونديال في الضفة الغربية على النتائج والأهداف فقط، بل تمتد إلى النقاشات اليومية حول المنتخبات المرشحة للفوز والنجوم المتوقع تألقهم. بحيث يعتبر الاهتمام الواسع بالرياضة عامة وكرة القدم خاصة لغة مشتركة تجمع مختلف الفئات.
وشهدت التصفيات المؤهلة إلى كأس العالم 2026 اهتماماً استثنائياً بين الفلسطينيين بعد الأداء التاريخي للمنتخب الفلسطيني واقترابه من التأهل للمرة الأولى في تاريخه. ورغم أن الحلم لم يكتمل، فإن كثيراً من الفلسطينيين يعتبرون أن ما حققه المنتخب خلال التصفيات عزز الثقة بإمكانية الوصول إلى النهائيات مستقبلاً.
وبينما يحتفل العالم بأهداف المنتخبات ونتائج المباريات، يواصل الغزيون متابعة الحدث الكروي الأكبر بطريقتهم الخاصة؛ من داخل الخيام.. حيث تبقى كرة القدم مساحة صغيرة للأمل في حياة أثقلتها الحرب. ونافذة يطلون منها على عالم مختلف ولو لتسعين دقيقة فقط.





