مقالات الخامسة

التعليم المفتوح… عندما يصبح الغموض أخطر من النظام نفسه

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: معمر يوسف العويوي

ليس من حقنا أن نحكم على نظام التعليم المفتوح بالفشل قبل أن يبدأ، كما ليس من الحكمة أن نصفق له قبل أن نفهمه.

لكن من حق كل معلم، وكل ولي أمر، وكل طالب، أن يسأل: ما هو التعليم المفتوح؟ وكيف سيطبق؟ وما الذي سيتغير فعلياً داخل الغرفة الصفية؟

حتى اللحظة، يدور في الشارع الفلسطيني نقاش واسع، تختلط فيه المعلومات بالتوقعات، وتتصارع فيه التفسيرات دون وجود مرجعية واضحة تشرح للناس فلسفة هذا النظام وآليات تطبيقه وحدوده.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

هل المقصود بالتعليم المفتوح أن يصبح المنهاج مرناً في أساليب تدريسه فقط؟ أم أن المحتوى نفسه سيصبح مفتوحاً؟ وهل ستبقى هناك معايير وطنية موحدة لما يجب أن يتعلمه كل طالب في كل صف؟

وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية. هل سيدرس جميع طلبة الصف الثاني -على سبيل المثال- المفاهيم نفسها، أم أن كل معلم سيختار ما يراه مناسباً؟

وهل سيكون هناك إطار إلزامي يحدد الحد الأدنى من المعرفة والمهارات، أم سيصبح لكل مدرسة، وربما لكل معلم، طريقته الخاصة؟

هل يمكن أن نجد شعبتين في المدرسة نفسها، تدرسان الموضوع ذاته بأسلوبين ومحتويين مختلفين؟

وإذا حدث ذلك، فكيف ستتحقق العدالة بين الطلبة؟

وكيف ستبنى الاختبارات الوطنية؟

وكيف سيقاس مستوى التحصيل؟

وهل سيعرف ولي الأمر ماذا يدرس ابنه حتى يستطيع متابعته في المنزل؟

هذه ليست أسئلة تعجيزية، بل هي أبسط حقوق المجتمع عندما يتعلق الأمر بمستقبل أبنائه.

لقد اعتاد الناس على المنهاج الموحد؛ كتاب واضح، وتسلسل محدد، وخطة زمنية معروفة، ومعايير يمكن الرجوع إليها. كان الجميع يعرف ماذا يدرس الطالب في كل شهر، وماذا يتوقع منه في نهاية العام.

أما إذا كان النظام الجديد يقوم على منح المعلم مساحة أوسع للإبداع، فهذا أمر إيجابي، لكن الإبداع لا يعني غياب المرجعية، والمرونة لا تعني الفوضى، والاستقلالية لا تعني اختلاف مخرجات التعليم بين مدرسة وأخرى.

فالتعليم الحديث في العالم يمنح المعلم حرية في طرائق التدريس، وفي الأنشطة، وفي المشاريع، وفي توظيف التكنولوجيا، لكنه في الوقت نفسه يحافظ على معايير وطنية واضحة تحدد ما الذي يجب أن يكتسبه الطالب في نهاية كل مرحلة.

وهنا تكمن القضية، لسنا أمام سؤال: هل التعليم المفتوح جيد أم سيئ؟ بل أمام سؤال أكثر أهمية: كيف سيطبق؟

وخلال لقائنا مع وزير التربية والتعليم وطاقم الوزارة، استمعنا إلى شرح مهم لفلسفة هذا المشروع، أوضح أن المقصود ليس إلغاء المنهاج أو ترك العملية التعليمية دون مرجعية، وإنما إنشاء منصة تعليمية متكاملة تضم مصادر تعلم متنوعة؛ من نصوص مكتوبة، وفيديوهات تعليمية، ورسومات، وصور، وأنشطة، ووسائل تفاعلية، تتيح للمعلم اختيار أفضل الأدوات لتحقيق أهداف الدرس، وتمنح الطالب مساحة أكبر للبحث والإبداع والتفكير، بدلاً من الاكتفاء بالتلقي والحفظ.

كما تبين أن المشروع يقوم على خطة متكاملة تشمل إعداد المحتوى، وبناء المنصة، وتنفيذ برامج تدريبية متخصصة للمعلمين، بما يساعدهم على الانتقال إلى هذا النموذج الجديد بصورة تدريجية ومدروسة.

لكن السؤال الحقيقي لا ينتهي عند تدريب المعلم. بل يبدأ من المدرسة نفسها.

هل أصبحت مدارسنا جاهزة فعلاً لهذا التحول؟

هل تمتلك جميع المدارس بنية تحتية رقمية متكاملة؟

هل توجد ألواح ذكية في كل غرفة صفية؟

وهل تتوافر أجهزة الحاسوب أو الأجهزة اللوحية عند الحاجة؟

وماذا عن المدارس التي تعاني ضعف الإنترنت أو انقطاع الكهرباء؟

وهل توجد طابعات، وشاشات عرض، ووسائل تعليمية حديثة، ومختبرات رقمية، تسمح للمعلم بتوظيف المصادر المتعددة كما هو مخطط لها؟

وهل تم رصد موازنات كافية لصيانة هذه التجهيزات وتحديثها بصورة مستمرة؟

وماذا عن المدارس المكتظة التي تضم أكثر من أربعين طالباً في الصف الواحد؟

هل يستطيع المعلم، مهما بلغت كفاءته، أن يطبق التعليم القائم على الأنشطة والبحث والتفاعل في ظل هذا الواقع؟

ثم ماذا عن الطالب؟

هل جميع الطلبة يمتلكون المهارات الرقمية نفسها؟

وهل جميع الأسر قادرة على توفير بيئة تساعد أبناءها على التعلم باستخدام المصادر الإلكترونية؟

أم أننا قد نخلق فجوة جديدة بين المدارس، وبين الطلبة، وبين المدن والقرى والمخيمات؟

ولذلك، فإن وزارة التربية والتعليم مطالبة اليوم، قبل بدء العام الدراسي، بإطلاق حملة وطنية شاملة تشرح للمجتمع فلسفة التعليم المفتوح، وأهدافه، وآليات تطبيقه، وما الذي سيتغير وما الذي سيبقى ثابتاً.

كما نحتاج إلى أدلة إرشادية مكتوبة للمعلمين، وأخرى مبسطة للأهالي، ونماذج تطبيقية توضح كيف ستسير الحصة الدراسية، وكيف سيجري التقييم، وكيف ستبقى العدالة التعليمية محفوظة بين جميع الطلبة.

فالتعليم ليس حقل تجارب، ولا يحتمل الرسائل الملتبسة.

وإذا كان التعليم المفتوح يمثل خطوة نحو تعليم أكثر إبداعاً وجودة، فإن نجاحه يبدأ بالوضوح، لا بالغموض، وبالثقة، لا بالإشاعات، وبالشراكة مع المجتمع، لا بمفاجأته.

فالطالب لا يحتاج فقط إلى مدرسة جيدة، بل يحتاج إلى طريق واضح يسير فيه. وولي الأمر لا يريد أن يعارض التطوير، بل يريد أن يعرف كيف سيتعلم ابنه، وكيف يتابعه، وكيف يطمئن إلى أن مستقبله الأكاديمي يسير وفق رؤية وطنية واضحة.

وفي النهاية يبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح قبل بداية العام الدراسي: هل نحن جاهزون فعلاً للتعليم المفتوح… أم أننا ما زلنا في مرحلة شرح التعليم المفتوح؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى