تقاريرثابت

مدرسة داخل خيمة.. أم فلسطينية تحاول إنقاذ طفولة ابنتيها من الحرب

الخامسة للأنباء - غزة

مدرسة داخل خيمة.. أم فلسطينية تحاول إنقاذ طفولة ابنتيها من الحرب  إعداد: سهر دهليز

في غزة، لم تعد الطفولة تبدأ من بوابة مدرسة أو غرفة مليئة بالألعاب، بل من خيمة تتحدى الحر والرمال، وتحاول الأمهات داخلها أن يصنعن من القليل حياةً تشبه الحياة.

هنا، تحاول أمل شيخ العيد أن تفعل المستحيل؛ أن تمنح ابنتيها سيلين وسيلا طفولةً سرقتها الحرب قبل أن تتاح لهما فرصة عيشها، فتحول خيمة النزوح إلى مدرسة، والهاتف المحمول إلى وسيلة للتعلم، وما تبقى من الأشياء البسيطة إلى ألعاب ومساحة للحلم.

طفولة الخيام

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

كانت سيلين رضيعة في التاسعة من عمرها عندما اندلعت الحرب، واليوم بلغت الثالثة والنصف، وقد أمضت معظم سنواتها الأولى متنقلة بين الخيام ومواقع النزوح، بينما تكبر شقيقتها سيلا، ذات الأعوام الستة، بعيدًا عن المدرسة والبيت والأمان الذي يفترض أن يحيط بطفولة الأطفال.

اليوم، تعيش أمل نازحة في خيمة بمنطقة العطار، وهي حامل تنتظر مولودها الجديد، وسط ظروف قاسية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. وبينما تستعد لاستقبال طفلها، تخوض معركة يومية من أجل حماية ما تبقى من طفولة ابنتيها.

قالت أمل: “إن أكثر ما يؤلمني ليس فقدان المنزل وحده، وإنما رؤية طفلتي تكبران في واقع لا يشبه حياة الأطفال. فبدلًا من الجلوس في روضة تعج بالألوان والرسومات، تجلس طفلتي سيلا على قطعة من الشادر داخل الخيمة، وتتلقى دروسًا بسيطة مع أطفال آخرين”، مشيرةً إلى أنها تحاول رغم أنها ليست معلمة متخصصة، أن تسد جزءًا من الفراغ الذي تركته المدرسة.

وأضافت: “أعرف أن ما أقدمه لا يمكن أن يعوض المدرسة، لكنني أخشى أن تمر السنوات دون أن تتعلم شيئًا. لذلك أحاول بكل ما أستطيع أن أصنع لهما داخل الخيمة عالمًا مختلفًا”.

الهاتف نافذة للتعليم

تعلّم أمل ابنتيها الحروف والأرقام، وتبتكر لهما ألعابًا بسيطة بما يتوفر حولها، في محاولة لمنحهما شعورًا بأن الحياة لم تتوقف بالكامل، وأن طفولتهما لا تزال تستحق أن تُعاش.

ولم تتوقف محاولاتها عند حدود الخيمة، إذ حولت هاتفها المحمول إلى وسيلة تعليمية أخرى. بدأت بتصوير مقاطع فيديو تعليمية تشارك فيها طفلتاها وتنشرها عبر صفحتها على فيسبوك، بهدف تشجيعهما على التعلم وتعزيز ثقتهما بنفسيهما.

وأكدت أمل أن هذه المقاطع محاولة لتوثيق رحلة طفلتيها مع التعلم، وإيصال رسالة إلى العالم مفادها أن الحرب، مهما اشتدت، لن تنجح في انتزاع حقهما في المعرفة.

وأوضحت أن ما فقدته الطفلتان يتجاوز المدرسة بكثير. فقدتا البيت والألعاب ودفء الحياة اليومية. فبعد أن كانت لكل واحدة منهما سريرها ومساحتها الخاصة بغرفتها، أصبحتا تنامان على فرش رقيقة فوق الأرض داخل خيمة تتحول تحت حرارة الصيف إلى مساحة خانقة، وتحاصرها الرمال والحشرات والبراغيث.

عندما تتحول الرمال إلى مساحة اللعب

وأشارت أمل إلى الألعاب القليلة التي تمكنت من حملها أثناء النزوح أتلفتها الرمال وكثرة الاستخدام، ولم تعد قادرة على شراء غيرها، فأصبح لعب الطفلتين يقتصر على الرمال وعلب المعلبات الفارغة، وكل ما يمكن لخيالهما أن يحوله إلى لعبة.

ورغم قسوة الظروف، ترفض أمل الاستسلام. تحاول كل يوم أن تجعل من الخيمة مساحة للحياة لا مجرد مكان للنجاة، فتخصص وقتًا للتعليم واللعب، وتبتكر من أبسط الإمكانات وسائل تحافظ بها على فضول ابنتيها وحبهما للتعلم.

تابعت أمل حديثها قائلة: “التعليم واللعب ليسا رفاهية يمكن تأجيلها إلى ما بعد الحرب، بل حقان أساسيان ووسيلتان لحماية طفلتي من الآثار النفسية للحرب، ومن أن تصبح الخيمة والنزوح والخوف كل ما تعرفانه عن طفولتهما”.

كي لا تصبح الحرب ذاكرتهما الوحيدة

وفي ختام حديثها، تختصر أمل أمنيتها في كلمات تحمل وجع أم تخشى أن تضيع سنوات طفولة ابنتيها دون أن تعيشاها كما ينبغي: “لا أريد لبناتي أن يتذكرن طفولتهن على أنها كانت مجرد حرب وخيمة ونزوح”

داخل خيمة مهترئة، تخوض أمل معركة أكبر من مجرد البقاء؛ تحاول إنقاذ طفولة ابنتيها من أن تختزلا في ذاكرة الحرب، لكن خلف هذه المحاولات تبقى الحقيقة الأكثر قسوة: لا تستطيع أم واحدة أن تعيد لطفلتيها بيتًا هدمته الحرب، ولا مدرسة غابت، ولا أمانًا فُقد، ولا سنوات طفولة مضت في النزوح.

كل ما تريده أمل أن يأتي يوم تعرف فيه ابنتاها كيف تبدو الطفولة التي سُلبت منهما، وأن تتذكرا، وسط كل ما مرّتا به، أن أمهما حاولت بكل ما تملك أن تمنحهما شيئًا من الحياة، وأن تترك في قلبيهما نافذة صغيرة للأمل.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى