
الخامسة للأنباء - غزة
أزمة مالية خانقة تعيشها السلطة الفلسطينية بالتزامن مع استمرار احجتاز حكومة الاحتلال لأموال المقاصة. وفي محاولة للتخفيف من آثار أزمة الرواتب، جاء تطبيق “يبوس” كآلية تتيح لموظفي القطاع العام الاستفادة من جزء من مستحقاتهم لدى الحكومة. عبر تحويلها إلى رصيد رقمي يمكن استخدامه في عدد من الخدمات الأساسية، بدل انتظار صرفها نقدًا.
التطبيق الذي أطلقته وزارة المالية والتخطيط الفلسطينية، في ظل استمرار الأزمة المالية وصرف رواتب الموظفين بنسب متفاوتة. قبل أن يتوسع تدريجيًا ليشمل مختلف موظفي القطاع العام، بعد مراحل تجريبية وتوسعية.
حيث شملت في البداية 4 جهات حكومية وهي :وزارة شؤون القدس، محافظة القدس، الضابطة الجمركية، والدفاع المدني.
وكان عدد الموظفين المستهدفين في المرحلة الأولى نحو 2800 موظف. وسجّل منهم حوالي 1400 موظف خلال المرحلة التجريبية.
رصيد رقمي وخدمات محددة
وتقوم فكرة التطبيق على منح الموظف رصيدًا رقميًا من مستحقاته المتراكمة، يستطيع استخدامه لتسديد فواتير وخدمات محددة.
وبدأت هذه الخدمات بالكهرباء والمياه والاتصالات والإنترنت، مع توجه لتوسيع نطاقها مستقبلًا ليشمل خدمات بلدية وحكومية أخرى. من بينها تجديد رخص القيادة وترخيص المركبات.
إلى جانب التوسع في الشراكات مع شركات القطاع الخاص لتوفير باقة متكاملة من الخدمات عبر التطبيق.
وبهذه الآلية، تتحول المستحقات من أرقام مؤجلة لدى الحكومة إلى قدرة فعلية على تسديد بعض الالتزامات الشهرية.
حيث أن الموظف الذي يتلقى راتبًا مجتزأً يستطيع استخدام جزء من مستحقاته لتغطية فاتورة أساسية. فيما يحتسب الرصيد المستخدم من مستحقاته لدى الحكومة، وليس خصمًا إضافيًا من راتبه.
غزة.. استفادة ضيقة
لكن الاستفادة من “يبوس” لا تبدو متساوية بين جميع موظفي القطاع العام. خصوصًا عند مقارنة الضفة الغربية بقطاع غزة.
حيث توفر التطبيق لموظفي الحكومة في غزة، لكن الخدمات المتوفرة لهم في المرحلة الأولى اقتصرت على الاتصالات والإنترنت. في حين شملت قائمة الخدمات في الضفة الكهرباء والمياه إلى جانب الاتصالات والإنترنت، والاقساط الجامعية.
ويرتبط هذا الاختلاف بطبيعة قطاعات الخدمات نفسها، إذ لا تعمل الكهرباء والمياه في قطاع غزة بالآليات والبنية التشغيلية ذاتها الموجودة في الضفة الغربية. الأمر الذي يحد من الخيارات التي يمكن للموظف الغزي استخدام رصيده فيها.
وهنا تبرز المفارقة في تجربة “يبوس”: الموظف في غزة يواجه أزمة الرواتب وتراكم المستحقات نفسها. لكنه لا يمتلك بالضرورة الخيارات ذاتها لتحويل هذه المستحقات إلى خدمات يحتاج إليها في حياته اليومية.
بين الرصيد الرقمي والاحتياج اليومي
أهمية “يبوس” بالنسبة للموظفين لا تأتي من كونه حلًا لأزمة الرواتب.وإنما من كونه وسيلة للاستفادة من جزء من الأموال المستحقة لهم في ظل استمرار الأزمة.
فالتطبيق لا يعيد الراتب إلى مستواه الكامل، ولا ينهي تراكم المستحقات، لكنه يمنح الموظف مساحة محدودة لتخفيف بعض أعبائه الشهرية.
وكلما اتسعت الخدمات التي يمكن استخدام الرصيد فيها، زادت القيمة الفعلية لهذا الرصيد بالنسبة للمستفيد.
وهذا يجعل طبيعة الخدمات المتاحة عاملًا أساسيًا في تقييم التجربة، وليس مجرد إتاحة التسجيل في التطبيق.
بالنسبة لموظفي غزة تحديدًا، تصبح المسألة أكثر ارتباطًا بقدرتهم الفعلية على استخدام المستحقات، لا بمجرد وجود رصيد رقمي باسم الموظف.
فالرصيد لا يتحول إلى منفعة حقيقية إلا عندما يستطيع صاحبه استخدامه في احتياجات متاحة أمامه.
حلًا مؤقتًا أم مسارًا طويلًا؟
تقدم وزارة المالية التطبيق باعتباره إحدى الوسائل التي تساعد الموظفين في مواجهة الأزمة المالية. فيما تبقى المستحقات المتراكمة حقوقًا مالية للموظفين إلى حين توفر الإمكانيات اللازمة لصرفها.
ومن هنا، فإن نجاح “يبوس” لا يرتبط فقط بعدد الموظفين الذين سجلوا فيه. وإنما بمدى قدرة التطبيق على توفير خدمات يحتاج إليها الموظف فعلًا، وبمدى اتساع الاستفادة لتشمل موظفي القطاع العام في الضفة وغزة بصورة متقاربة.
أما في قطاع غزة، فتبقى الحاجة قائمة إلى توسيع نطاق الخدمات التي يمكن للموظفين استخدام أرصدتهم فيها، بما يتناسب مع طبيعة احتياجاتهم والظروف التي يعيشونها.
في النهاية، قد يوفر “يبوس” متنفسًا مؤقتًا لموظفين أنهكتهم أزمة الرواتب، لكنه لا يحل أصل المشكلة.
فالتحول من مستحقات مالية مؤجلة إلى رصيد رقمي قد يساعد في دفع بعض الفواتير، لكنه لا يعوض عن الراتب الكامل والمنتظم.
ويبقى السؤال: هل ينجح “يبوس” في منح موظفي غزة حق الاستفادة من مستحقاتهم أسوةً بزملائهم في الضفة، أم سيبقى الموظفون الغزيون خارج هذه المعادلة، وحملاً زائداً؟





