رغم النزوح وغياب أدوات البحث.. باحث فلسطيني ينجز الدكتوراه بامتياز

الخامسة للأنباء - غزة
لم تكن رحلة عبد الكريم الطرشاوي نحو الدكتوراه تسير في ظروف أكاديمية طبيعية؛ فبين النزوح والحرب وانقطاع الإنترنت وغياب الورق والكتب والدفاتر. واصل الباحث السوسيولوجي العمل على أطروحته التي تناولت التحولات التي طرأت على بنية الأسرة الفلسطينية خلال الحرب على قطاع غزة.
ويقول الطرشاوي لـ”الخامسة للأنباء” إن مواصلة العمل على الأطروحة لم تكن بالنسبة له مجرد التزام أكاديمي. بل تحولت إلى “واجب إنساني ووثائقي” لتسجيل ما طرأ على المجتمع الفلسطيني من تغيرات في ظل الحرب، انطلاقًا من الميدان نفسه.
وأوضح أنه واجه خلال فترة البحث ظروفًا قاسية، وصلت في بعض المراحل إلى انعدام وسائل البحث والكتابة الأساسية. ما دفعه إلى الاعتماد على الهاتف للتدوين الرقمي خلال فترات الشحن المحدودة، إلى جانب توظيف الملاحظة بالمشاركة والخبرة الميدانية في جمع المعطيات وتحليلها.
وأضاف أن تقنيات تنظيم الذات والصمود النفسي، مثل التنفس والتأمل والضبط الانفعالي، ساعدته على الحفاظ على قدر من التركيز ومواصلة العمل. مشيرًا إلى أن البحث العلمي أصبح بالنسبة له وسيلة للتشبث بالمعرفة وتوثيق الواقع رغم الحرب.
أطروحة من قلب الحرب
وأشار الطرشاوي إلى أن فكرة الأطروحة تبلورت مع اندلاع الحرب وتصاعد آثارها على البنى الاجتماعية. في ظل الحاجة إلى قراءة سوسيولوجية تستند إلى معطيات ميدانية وتوثق التحولات التي يعيشها المجتمع الفلسطيني.
وبدأ العمل الفعلي على جمع البيانات وبناء الإطار المفاهيمي منذ المراحل الأولى للنزوح. رغم الصعوبات اللوجستية التي رافقت عملية البحث. قبل أن تتوج الرحلة بمناقشة الأطروحة والحصول على درجة الدكتوراه بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف في 14 يونيو/حزيران 2026.
الحرب أعادت تشكيل الأسرة الفلسطينية
وحول أبرز ما رصدته الدراسة، قال الطرشاوي إن الحرب والنزوح القسري أحدثا تغيرات عميقة في بنية الأسرة الفلسطينية ووظائفها.
وأوضح أن فقدان المسكن المستقر ونقل الأسر إلى أماكن مؤقتة وخيام غيّرا شكل الحياة الأسرية اليومية. وأديا إلى إعادة توزيع عدد من الأدوار داخل الأسرة.
كما رصدت الدراسة، بحسب الطرشاوي، تراجع بعض الوظائف التي كانت تؤديها المؤسسات الرسمية. بالتزامن مع ظهور شبكات تكافل ودعم اجتماعي بديلة ساعدت العائلات على التعامل مع متطلبات الحياة اليومية في ظروف الحرب.
ولفت إلى أن الأدوار الاجتماعية داخل الأسرة شهدت بدورها تغيرًا واضحًا، إذ وجد أفراد الأسرة. بمن فيهم النساء والأطفال، أنفسهم أمام مسؤوليات جديدة لم تكن جزءًا من أدوارهم التقليدية. سواء في تأمين الاحتياجات الأساسية أو التعامل مع الضغوط المادية والنفسية الناتجة عن النزوح والحرب.
انتصار الرسالة الإنسانية
وعن لحظة إنجاز الدكتوراه، قال الطرشاوي إنها لا تمثل بالنسبة له مجرد الحصول على شهادة أكاديمية. بل تحمل معنى شخصيًا وعلميًا يرتبط بالقدرة على مواصلة البحث في ظروف وصفها بأنها من أقسى ما يمكن أن يواجهه الباحث.
وأضاف أن تحويل تجربة النزوح وفقدان أدوات البحث إلى دراسة منهجية كان محاولة لنقل صوت الواقع الميداني إلى الأوساط الأكاديمية. معتبرًا أن الإنجاز يمثل “انتصارًا للرسالة الإنسانية” التي يحملها الباحث.
وأكد أن التجربة أثبتت بالنسبة له أن المعرفة يمكن أن تولد حتى في أصعب الظروف. وأن توثيق التحولات التي يعيشها المجتمع يمثل جزءًا من الحفاظ على ذاكرته الاجتماعية.
ودعا الطرشاوي الباحثين والأكاديميين إلى مواصلة العمل العلمي والبحثي، باعتباره جزءًا من الدفاع عن القضية الوطنية.والعمل على استكمال التوصيات التي خرجت بها الأطروحة. بما يساهم في بناء موروث علمي يخدم المجتمع الفلسطيني ومؤسساته، ويساعد في رسم رؤية لمستقبل قطاع غزة
كما توجه بالتحية والتقدير لـ “شبكة الخامسة للأنباء“. مشيدًا باهتمامها بالبحث العلمي والصمود الأكاديمي.





