في اليوم العالمي للتضامن مع الصحفيين الفلسطينيين الصحفيون الفلسطينيون في قلب دائرة الاستداف الإسرائيلية

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: نهاد أبو غوش
في معظم دول العالم، وبخاصة تلك التي فيها هوامش معقولة من الحريات والديمقراطية، يمكن لبطاقة الصحفي أن تشكل وسيلة لتسهيل حياة ومهمة من يحملها، فتمكنه من دخول أماكن يصعب دخولها على العموم. وأحيانا توفر له خصومات مالية في الفنادق ووسائل النقل، فضلا عن الاحترام الذي يحظى به حامل البطاقة سواء كانت صادرة عن مؤسسة، أو نقابة صحفيين، أو اتحاد إقليمي كاتحاد الصحفيين العرب أو الاتحاد الدولي للصحفيين.
لكن الحال لشديد الأسف ليست كذلك في معظم بلاد العرب، فبطاقة الصحفي دلالة على أنك مشبوه أمام السلطات والأجهزة الأمنية، ويمكن لها أن تحرمك من دخول البلد وخاصة إذا كانت مثبتة في خانة المهنة، كما يمكن أن تدفع إلى تأخيرك واحتجازك بضع ساعات على الحدود، وأن تدخلك في سين وجيم وكأنك قادم في مهمة أمنية، وعليك ان تثبت أنك قادم في زيارة عادية: سياحة أو زيارة الأقارب أو غيرها من الأسباب ما عدا الصحافة.
تزداد القيود أكثر على الصحفي الفلسطيني، فهو يجمع الحسنيين معا: الهوية الفلسطينية ومهنة الصحافة، وكلاهما جريمة يجب أن يعاقب عليها، وتزداد حراجة الموقف وتعقيداته إن كانت لهذا الصحفي اللعين سجلات أمنية في بلد ما، أو كان معروفا وله آراء نقدية ومواقف إشكالية. لذلك لا تصدقوا كل الخطابات والمزاعم التي تتغنى بالصحفي الفلسطيني وتشيد به والتي ستتكثف في يوم التضامن الدولي مع الصحفيين الفلسطينيين الذي يوافق السادس والعشرين من كل عام، وكان الاتحاد الدولي للصحفيين اقر هذا اليوم عام 1996 في أعقاب هبة النفق وما تعرض له الصحفيون من بطش دولة الاحتلال، تضامنا مع الصحفيين الفلسطينيين الذين عادة ما يكونون في مقدمة الاستهدافات من قبل قوات الاحتلال، وهم في الغالب اشخاص غير مرغوب في دخولهم لدى معظم السلطات الأمنية العربية، فالصحفي مشبوه ومتهم حتى يثبت براءته، أو حتى يستعين بواسطة ثقيلة تعينه على دخول البلد المعني.
إذا كانت الصحافة توصف في كل بلاد العالم بأنها “مهنة المتاعب”، فهي في فلسطين “مهنة المخاطر”، وهذا ليس كلاما مجازيا بل ما تؤكده لغة الأرقام والإحصائيات. فقبل الحرب على غزة كان عدد الشهداء الصحفيين الموثق بين عامي 2000 و 2023 يصل إلى 55 صحفيا، وهؤلاء لم يُقتلوا في ساحات المعارك كـ”اضرار جانبية” وفق تعبير الجيش الإسرائيلي وما رواه فيلم (نازا)، بل استهدفوا لأنهم صحفيون كما هو حال الشهيدة شيرين ابو عاقلة أيقونة الصحافة الفلسطينية والعالمية، خلافا لمئات حالات الإصابة والاعتقالات – يوجد الآن نحو 40 معتقلا من الصحفيين- والضرب المبرح، وتحطيم الأدوات والكاميرات وأجهزة التسجيل، مما يتعرض له الصحفيون يوميا على ايدي قوات الاحتلال وأجهزتها الأمنية.
يمكن لنا أن نعدد مجموعة اسباب لاستداف الصحفيين من بينها طبيعة فلسطين كبقعة توتر ساخنة ومستمرة، واضطرار الصحفيين إلى التواجد في ساحة الحدث من أجل التغطية المباشرة، لكن السبب الأهم والمركزي كان وما يزال هو استهداف الصحفيين من أجل طمس الحقيقة وحجب ما يجري عن أنظار العالم وأسماعهم، واحتكار الرواية، باقتصارها على ماكينة الكذب والدعاية الإسرائيلية، وعلى الصحفيين الذين يرافقون جنود الاحتلال في عرباتهم المدرعة، فتتوحد الصورة التي ينقلونها مع ما يراه المنظار المركب على الرشاش والمدفع والدبابة.
خلال الحرب على غزة، حصل التحول النوعي الذي لا سابق له في كل حروب العالم، أصبح استهداف الصحفيين سياسة منهجية ثابتة لا يتورع الناطقون باسم الاحتلال عن الاعتراف بها فيبررونها ويدعون، بأن الصحفيين كانوا يغطون نشاطات الجيش الإسرائيلي، أو انهم ينتمون لبعض فصائل المقاومة، أو مقاتلون متنكرون في هيئة صحفيين، وهكذا قتلت إسرائيل خلال الحرب على غزة أكثر من 262 صحفي، يشكلون نحو 20% من مجموع الجسم الصحفي في قطاع غزة، وهي نسبة هائلة ومخيفة تصل إلى نحو خمسة أضعاف نسبة عدد شهداء القطاع إلى عدد السكان بشكل عام، مستندين إلى تقدير أن عدد الشهداء بلغ 80 ألف شهيد من اصل مليوني نسمة تواجدوا في القطاع خلال حرب الإبادة.
يمكن لنا بمزيد من البحث والتدقيق ان نعثر على نسب مُروّعة أخرى لاستهداف فئات معينة من السكان مثل الطواقم الطبية، وعناصر الدفاع المدني، واساتذة الجامعات والأكاديميين، وعناصر الشرطة، وهي استهدافات تؤشر إلى الأهداف البعيدة لهذه الحرب ومن ضمنها القضاء على عناصر الوعي وركائز بناء المجتمع وصحته وعافيته وبقائه ضمن خطة تهيئة عزة للمخطط الأبعد وهو التهجير.
ما كان لإسرائيل أن تتمادى في هذا القتل المنهجي لولا الصمت على جرائمها السابقة، وتسامح العالم (غير) المتحضر مع جرائم قتل الصحفيين والتماس الأعذار والمبررات لكل ما تفعله إسرائيل التي ما زال بعض القادة الأوروبيين ينظرون لها كـ”زهرة تتفتح وسط الصحراء” كما قالت اورسولا فون ديرلاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وكلامها هذا جاء خلال زيارتها لإسرائيل، بعد اغتيال شيرين أبو عاقلة، وما ردده القادة الأوروبيون مرارا وتكرارا عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وبعد كل ذلك نجد من هؤلاء أدعياء الحضارة والتقدم من يصفق ويهلل لبنيامين نتنياهو حين ألقى خطاب الأكاذيب والردح في قاعة شبه فارغة.





