معارضة بلا تكاليف: حين يصبح الاعتراض غاية بحد ذاته

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: د. ربحي دولة
ليست المعارضة في الحياة السياسية ترفًا ولا مجرد موقف مخالف للسلطة، بل هي ضرورة لتصحيح الأخطاء ومراقبة الأداء ومحاسبة المسؤولين. فمن دون معارضة جادة، قد تنفرد السلطة بالقرار من دون رقابة كافية. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الاعتراض من وسيلة للإصلاح إلى موقف ثابت، لا يتغير بتغير الظروف، ولا تحكمه معايير واضحة، وكأن المطلوب هو رفض كل ما يصدر عن الطرف الآخر، بصرف النظر عن مضمونه أو نتائجه.
وهذا ما بات يلفت الانتباه في جانب من المعارضة السياسية في فلسطين، حيث أصبح المواطن يسمع اعتراضًا على قرارات ومواقف تصدر عن قيادة السلطة، حتى بات من الصعب أحيانًا التمييز بين النقد الذي يستند إلى أسباب موضوعية، والرفض الذي تحكمه المناكفات والحسابات السياسية. فعندما يصبح كل قرار موضع هجوم، وكل موقف سببًا للاعتراض، بصرف النظر عن طبيعته أو مبرراته، فإن الأمر يثير تساؤلات جدية حول جدوى هذا الخطاب، وما إذا كان هدفه تصحيح المسار أم تسجيل موقف ضد القيادة لمجرد أنها صاحبة القرار.
ولا يعني ذلك أن الحالة الفلسطينية مثالية، أو أن قرارات السلطة وتصرفاتها فوق الخطأ والمساءلة. على العكس، هناك قرارات تستحق النقد، وأداء يحتاج إلى مراجعة، وقضايا من حق المواطن أن يسأل عنها ويحصل على إجابات واضحة بشأنها. لكن الفرق كبير بين معارضة تنتقد من أجل الإصلاح، وأخرى يبدو أن اعتراضها أصبح موقفًا مسبقًا لا يتأثر بطبيعة القرار، ولا يتوقف عند نتائجه أو انعكاساته على حياة الناس.
وتظهر هذه الإشكالية بوضوح في القضايا المتعلقة بالانتخابات. فقد يعترض البعض على إجرائها بحجة عدم توافر الظروف المناسبة، أو غياب الضمانات الكافية لنزاهتها، ثم يعودون لانتقاد تأجيلها واعتباره تعطيلًا للاستحقاق الديمقراطي. وليس في ذلك تناقض بالضرورة، إذا كانت هناك أسباب واضحة تفسر الموقفين، كأن يطالب المعارض بضمانات حقيقية لإجراء الانتخابات، ويرفض في الوقت نفسه أن يتحول التأجيل إلى تعطيل مفتوح بلا سقف زمني. أما أن تتغير المواقف من دون تفسير، وأن يصبح كل خيار سببًا للهجوم، فهنا يفقد النقد كثيرًا من مصداقيته.
المشكلة أن هذا النوع من المعارضة يضع أصحابه في موقع مريح؛ فهم لا يتحملون مسؤولية القرار ولا تبعات تنفيذه، ومع ذلك يحتفظون بحق الاعتراض على كل خطوة، من دون أن يقدموا تصورًا واضحًا لما يريدونه. ومن السهل أن ترفع صوتك ضد قرار، لكن الأصعب أن تشرح للناس ما البديل، وكيف يمكن تطبيقه، وما النتائج المتوقعة منه. فالسياسة ليست مجرد تسجيل مواقف، وإنما مسؤولية تتطلب وضوحًا في الرؤية وقدرة على التمييز بين الخيارات المتاحة، حتى حين تكون جميعها صعبة.
وحين تسود المناكفات هذا المشهد، يصبح الخلاف السياسي غاية في حد ذاته، ويتراجع النقاش الجاد حول القضايا التي تمس حياة الناس. وفي الحالة الفلسطينية، حيث يواجه المواطن أعباء معيشية وسياسية متراكمة، لا تبقى هذه المناكفات مجرد خلافات بين أطراف سياسية، بل تنعكس على ثقته بالعمل السياسي كله، وتزيد شعوره بأن مصالحه تأتي في آخر الحسابات. فالمواطن الذي ينتظر حلولًا لمشكلاته لا يعنيه كثيرًا من انتصر في سجال سياسي، بقدر ما يعنيه أن يرى مواقف واضحة وقرارات تخدم مصالحه وتخفف من أعبائه.
ومع ذلك، لا يجوز وضع المعارضة كلها في سلة واحدة، أو مطالبتها بالموافقة على قرارات السلطة حتى تثبت حسن نواياها. فمن حقها أن ترفض، وأن تنتقد، وأن تكشف أوجه القصور، حتى إن لم تكن تملك حلًا جاهزًا لكل مشكلة. لكن من حق الناس أيضًا أن يطالبوها بتوضيح أسباب مواقفها، وأن يسألوها عن المعايير التي تعتمدها، وعن البدائل التي تقترحها عندما يكون ذلك ممكنًا. فالمعارضة ليست معفاة من المساءلة لمجرد أنها خارج الحكم، كما أن السلطة ليست محصنة من النقد لمجرد أنها تتحمل مسؤولية الإدارة.
كما أن تغيير الموقف ليس عيبًا في حد ذاته؛ فالسياسة تتأثر بالوقائع، وقد يكتشف المرء أن تقديره السابق لم يكن صحيحًا، فيعيد النظر فيه. لكن المسؤولية تقتضي أن يشرح للناس لماذا غيّر موقفه، وما الذي استجد ودفعه إلى ذلك. أما الإصرار على مهاجمة كل ما يصدر عن الخصم، حتى لو اقترب من مطالب المعارض نفسه، فإنه يعطي انطباعًا بأن الخلاف لم يعد متعلقًا بمضمون القرار، بل بمن أصدره.
وفي المقابل، فإن انتقاد معارضة متناقضة لا يعني تبرير أخطاء السلطة أو اعتبار قراراتها صحيحة تلقائيًا. فالقرار يُقاس بأسبابه ونتائجه ومدى خدمته للمصلحة العامة، لا بعدد مؤيديه أو معارضيه. وقد تكون السلطة مخطئة حتى لو جاء بعض منتقديها بمواقف متناقضة، كما قد تكون المعارضة محقة في نقد قرار معين، حتى لو أخفقت في مواقف أخرى.
في النهاية، لا تُقاس قيمة المعارضة بعدد المرات التي تقول فيها «لا»، بل بقدرتها على تقديم نقد مفهوم ومحدد، وكشف الأخطاء، والدفاع عن مواقف يمكن تفسيرها والاحتكام إليها. وفي فلسطين، نحن بحاجة إلى معارضة جادة لا تمنح السلطة صك براءة، لكنها لا تجعل من رفض قراراتها قاعدة ثابتة أيضًا. فالمواطن لا يريد سلطة لا تخطئ، ولا معارضة تعترض على كل شيء؛ بل يريد من الطرفين أن يتحملا مسؤولياتهما، وأن يضعا المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.
فمن حق المعارضة أن تحاسب السلطة، ومن حق المجتمع أن يحاسب المعارضة. أما حين تصبح المناكفات هي سيدة الموقف، ويتحول الاعتراض إلى غاية بحد ذاته، فإن الخاسر الأول والأخير هو المواطن، الذي يدفع ثمن خلافات لا تقدم له حلًا، ولا تفتح أمامه أفقًا أفضل.





