مقالات الخامسة

ثلاث سنوات بعد السابع من أكتوبر: هل تراجع الإيمان بالسلام أم الثقة بإمكانية تحقيقه؟

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: الدكتور نبيل كوكالي

بعد ثلاث سنوات من السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، يبرز سؤال يتجاوز تحديد المنتصر والخاسر: هل أصبح الفلسطينيون والإسرائيليون أقرب إلى السلام، أم أن الحرب عمّقت الشكوك في إمكانية تحقيقه؟ وهل يعني تراجع الإيمان بفرص السلام أن الناس لم يعودوا يريدونه، أم أنهم ما زالوا يتطلعون إليه لكنهم يشككون في الظروف والقيادات والضمانات القادرة على تحويله إلى واقع؟

الدكتور نبيل كوكالي

لا يتعلق هذا السؤال بالمواقف السياسية وحدها، بل بمستقبل مجتمعات تحملت خسائر إنسانية واقتصادية وأمنية هائلة. وتوفر نتائج استطلاع حديث للمركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO)مدخلًا لفهم الفجوة بين السلام بوصفه هدفًا مرغوبًا، والسلام بوصفه احتمالًا سياسيًا قابلًا للتحقق.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

بعد ثلاث سنوات: ماذا يقول الفلسطينيون عن السلام؟

أجرى المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO) استطلاعًا خلال الفترة من 1 إلى 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026، شمل 442 فلسطينيًا وفلسطينية من البالغين 18 عامًا فأكثر، توزعوا على 273 مشاركًا في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية (61.8%)، و169 مشاركًا في قطاع غزة (38.2%). ونُفذت المقابلات باستخدام نظام المقابلات الهاتفية بمساعدة الحاسوب (CATI)والاتصال العشوائي بالأرقام (RDD) وبلغ معدل الاستجابة المعلن 61%، وهامش الخطأ الإحصائي المرجعي ±4.66 نقطة مئوية عند مستوى ثقة 95%، بافتراض العينة العشوائية البسيطة.

وعندما سُئل المشاركون عن تغير إيمانهم بإمكانية السلام مقارنة بمواقفهم قبل السابع من أكتوبر 2023، أفاد53.6 % بأنهم أصبحوا أقل إيمانًا بإمكانية تحقيقه، مقابل 26.7% قالوا إن إيمانهم ازداد، فيما ذكر 17.6% أن موقفهم لم يتغير.

لكن الصورة تصبح أكثر تعقيدًا عند الانتقال من توقعات السلام إلى المستقبل الذي يفضله المواطنون. فقد رأى91% أن استمرار الصراع يضر بالشعب الفلسطيني ومصالحه بدرجات متفاوتة، بينهم 84.2% اعتبروا أن الضرر كبير جدًا. وفي الوقت نفسه، فضّل 66.5% اتفاق سلام نهائيًا ينهي الصراع، و16.1% حلًا سياسيًا مرحليًا يؤدي لاحقًا إلى اتفاق نهائي، مقابل 4.8% اختاروا استمرار المواجهة إلى أن تتغير الظروف السياسية.

وتشير النتائج إلى ضرورة التمييز بين ثلاثة مفاهيم: الرغبة في السلام، والاعتقاد بإمكانية تحقيقه، والثقة في تنفيذ أي اتفاق. فقد يفضل المواطن الحل السياسي، حتى عندما لا يرى الظروف اللازمة لتحقيقه.

ومن المهم منهجيًا أن سؤال المقارنة بما قبل أكتوبر 2023 يقيس التغير الذي يصفه المشاركون استنادًا إلى ذاكرتهم، ولا يثبت وحده أن الحرب كانت السبب المباشر في تغير مواقفهم.

الضفة الغربية وقطاع غزة: اختلافات تستحق التفسير

تكشف النتائج عن فروق بين المشاركين في المنطقتين. فقد أفاد 56.1% من المشاركين في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، بتراجع إيمانهم بإمكانية السلام، مقابل 49.7% في قطاع غزة. وفي المقابل، قال 33.7% في غزة إن إيمانهم ازداد، مقارنة بـ22.3% في الضفة.

وعند السؤال عن المستقبل المفضل، اختار72.8 % من المشاركين في غزة اتفاق سلام نهائيًا، مقابل 62.6% في الضفة الغربية. كما رأى 89.9% في غزة أن استمرار الصراع يضر بالمصالح الفلسطينية بدرجة كبيرة جدًا، مقارنة بـ80.6% في الضفة.

ولا تعني هذه الفروق بالضرورة أن سكان غزة أكثر تفاؤلًا بإمكانية السلام، لكنها قد تعكس اختلاف التجارب والظروف بين المنطقتين. فقد يكون ارتفاع تفضيل اتفاق نهائي في غزة مرتبطًا بالخسائر الإنسانية والاقتصادية والرغبة في تجنب حرب جديدة واستعادة الحياة الطبيعية. وفي المقابل، قد يرتبط تراجع الإيمان بإمكانية السلام في الضفة الغربية باستمرار الاستيطان والقيود على الحركة وتدهور الأوضاع السياسية والأمنية.

وتشير هذه القراءة إلى أن المعاناة قد تعزز الرغبة في إنهاء الصراع دون أن تزيد بالضرورة الثقة بإمكانية تحقيق السلام، وهو تفسير محتمل لا تثبت البيانات وجود علاقة سببية مباشرة بشأنه.

أزمة الثقة: ماذا تكشف المقارنة مع الإسرائيليين؟

تكتسب النتائج أهمية عند وضعها في سياق استطلاعات الرأي لدى الطرفين.

فقد أظهر استطلاع نشره مركز بيو للأبحاث في 15 سبتمبر/أيلول 2026 أن 17% من الإسرائيليين و21% من الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية رأوا أن التعايش السلمي بين إسرائيل ودولة فلسطينية مستقلة ممكن، مقابل 56% و68% على التوالي اعتبروا أنه غير ممكن.

وفي استطلاع سابق نشره بيو في 3 يونيو/حزيران 2025، وصف 75% من الإسرائيليين انعدام الثقة بأنه عائق رئيسي أمام السلام، واعتبر 52% المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية عائقًا رئيسيًا.

أما استطلاع PCPO لعام 2026، فأظهر أن 83.7% من المشاركين الفلسطينيين اعتبروا انعدام الثقة عائقًا رئيسيًا، و86.7% وصفوا المستوطنات بأنها عائق رئيسي.

وتبرز هنا مسألة تحليلية مهمة: أزمة الثقة حاضرة لدى الجانبين، لكن ذلك لا يعني اتفاقهما على أسبابها أو المسؤولية عنها. كما أن استطلاع بيو لعام 2026 لم يشمل غزة، بخلاف استطلاع PCPO ، ما يستوجب الحذر عند المقارنة.

وتشير هذه النتائج إلى أن المشكلة لا تتعلق بالرغبة في السلام وحدها، بل أيضًا بمدى اقتناع الناس بأن الحقوق والأمن والالتزامات السياسية يمكن ضمانها وتنفيذها.

ماذا قال الفلسطينيون عن نتائج الحرب؟

تعزز هذه القراءة نتائج استطلاعين سابقين أجراهما PCPO عام 2025.

ففي استطلاع أُجري بقطاع غزة بين 8 و12 أكتوبر/تشرين الأول 2025، وشمل 301 بالغ، رأى %71.1 أنه لا يوجد منتصر واضح وأن الطرفين خسرا، مقابل 11.3% اعتبروا إسرائيل منتصرة، و11% اختاروا حماس.

وفي سؤال منفصل، ربط 64.1% تقييمهم بالدمار والمعاناة الإنسانية دون تحقيق مكاسب سياسية حقيقية. وعند تحديد الأولويات، اختار 41.5% إعادة الإعمار، و20.3% المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين، و13% الوحدة الوطنية.

وفي استطلاع آخر أُجري بالضفة الغربية وقطاع غزة بين 28 سبتمبر/أيلول و3 أكتوبر/تشرين الأول 2025، وشمل 304 مشاركين، أيد 87.5% وقف إطلاق النار الشامل، و68.4% الانسحاب الإسرائيلي التدريجي.

واستخدم الاستطلاعان CATI وRDD ، ولا تسمح اختلافات العينات والأسئلة باعتبار نتائج 2025 و2026 سلسلة زمنية مباشرة، لكنها تساعد على فهم أولويات المشاركين في ظروف مختلفة.

بين روايات الانتصار والنتائج السياسية

تستند الرواية الإسرائيلية إلى ما أعلنته الحكومة والجيش من إضعاف القدرات العسكرية لخصومهما وتعزيز الردع، بينما تقدم حماس استمرار وجودها بوصفه دليلًا على الصمود.

وفي هذا السياق، عرضت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي، إيلا واوية، في مقال نشره موقع «إيلاف» بتاريخ 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ما وصفته بالإنجازات العسكرية الإسرائيلية، مشيرة إلى استهداف نحو 100 ألف هدف على جبهات متعددة، وفق الرواية العسكرية الإسرائيلية. وتوضح هذه الإشارة حجم العمليات كما يقدمه الجيش الإسرائيلي، لكنها لا تحدد وحدها نتائجها السياسية والأمنية.

غير أن حجم العمليات العسكرية لا يثبت وحده تحقيق أمن مستدام، كما أن استمرار وجود حماس لا يجيب عن أسئلة مستقبل غزة والحكم وإعادة الإعمار والحقوق الفلسطينية.

وهنا ينبغي التمييز بين النتائج العسكرية والنتائج السياسية؛ فقد تتحقق أهداف ميدانية دون أن تتحول إلى أمن طويل الأمد أو تسوية مقبولة. وبالمثل، فإن استمرار طرف في المواجهة لا يثبت بالضرورة تحقيق مكاسب وطنية تتناسب مع الخسائر.

قرارات الحرب والأثمان الإنسانية والاقتصادية

لم تبدأ أحداث السابع من أكتوبر من فراغ، بل جاءت في سياق صراع طويل تراكمت فيه الأزمات السياسية والأمنية وانسدت آفاق التسوية. لكن فهم السياق لا يعفي الأطراف من مسؤولية مراجعة قراراتها ونتائجها.

فقد تضمنت هجمات السابع من أكتوبر استهدافًا للمدنيين واحتجاز رهائن، وأعقبتها حرب إسرائيلية واسعة على غزة خلّفت خسائر بشرية ودمارًا هائلًا. وقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش في يوليو/تموز 2024، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في يونيو/حزيران 2024، انتهاكات جسيمة بحق المدنيين.

ووفق وكالة رويترز في أكتوبر/تشرين الأول 2026، أسفرت هجمات عام 2023 عن مقتل نحو 1,200 شخص في إسرائيل واحتجاز 251 رهينة، بينما تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين في غزة 74 ألفًا.

وخلف هذه الأرقام عائلات فقدت أبناءها، وأطفال حُرموا من التعليم، ونازحون فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم. واقتصاديًا، تحملت إسرائيل أعباء مالية وعسكرية كبيرة، بينما واجهت غزة دمارًا واسعًا في البنية التحتية والمساكن والأنشطة الاقتصادية.

ولا تعني مراجعة قرارات حماس تجاهل الحقوق الفلسطينية أو السياق الذي سبق الحرب، كما لا تعني مساءلة القرارات الإسرائيلية تجاهل المخاوف الأمنية الإسرائيلية. وتبقى حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني معيارين أساسيين لتقييم سلوك جميع الأطراف.

السلاح والانسحاب وإعادة الإعمار: ما الذي ينبغي أن يتغير؟

رغم وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بقيت قضايا سلاح حماس والانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار والترتيبات الأمنية دون تسوية نهائية.

وتكشف الخلافات بشأن ترتيب الالتزامات عن أزمة تتجاوز الإجراءات العسكرية إلى الثقة بالضمانات السياسية. ويتطلب تجاوزها ترتيبات واضحة، وآليات تحقق مستقلة، وجدولًا زمنيًا قابلًا للتنفيذ.

أما مستقبل المؤسسات الأمنية الفلسطينية فيحتاج إلى معالجة مسألة الجهة المخولة باستخدام القوة ضمن إطار مؤسسي وسياسي واضح. وتتطلب إعادة الإعمار إدارة فلسطينية مسؤولة، ورقابة شفافة، وضمان وصول الموارد والمساعدات.

ولا يمكن فصل هذه الملفات عن إنهاء الانقسام الفلسطيني وتجديد شرعية المؤسسات، أو عن الحاجة إلى مسار سياسي يعالج الحقوق الوطنية الفلسطينية والمخاوف الأمنية الإسرائيلية.

فإدراك تكلفة استمرار الصراع لا يتحول تلقائيًا إلى ثقة بالسلام، بل يحتاج إلى إجراءات ملموسة تجعل الاتفاقات قابلة للتنفيذ والمساءلة.

الخاتمة: من الرغبة في السلام إلى القدرة على تحقيقه

بعد ثلاث سنوات من السابع من أكتوبر، يستطيع كل طرف الاستمرار في عرض روايته عن الإنجازات أو الصمود. لكن الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، اللذين تحمّلا تداعيات الحرب، يحتاجان إلى ما هو أكثر من بيانات الانتصار.فالفلسطينيون يتطلعون إلى الحرية وتحقيق حقوقهم الوطنية، وإعادة بناء حياتهم ومؤسساتهم، والحصول على الأمن والمساكن وفرص العمل، والعيش بكرامة في ظل مؤسسات مسؤولة ومستقبل يمكن الوثوق به. وفي المقابل، يتطلع الإسرائيليون إلى الأمن والاستقرار وضمان عدم تكرار المأساة. ورغم اختلاف الظروف والتحديات التي يواجهها كل شعب، فإن كليهما بحاجة إلى مستقبل لا تحكمه دوامة الخوف والعنف، بل يقوم على احترام الحقوق الإنسانية والوطنية، والأمن المتبادل، والسلام العادل والمستدام.

وتكشف نتائج استطلاع PCPO، إلى جانب استطلاعات مركز بيو للأبحاث، عن فجوة بين الرغبة في السلام والثقة بإمكانية تحقيقه، وإن اختلفت مواقف الفلسطينيين والإسرائيليين وأسباب مخاوفهم. فتراجع الإيمان بإمكانية السلام لا يعني بالضرورة التخلي عن الرغبة فيه، كما أن إدراك كلفة استمرار الصراع لا يكفي وحده لبناء الثقة بين الطرفين.

ولهذا، فإن السؤال الأهم بعد ثلاث سنوات لم يعد فقط من ربح ومن خسر، بل ما الذي ينبغي أن يتغير حتى يصبح السلام ممكنًا وعادلًا وقابلًا للتنفيذ، ويضمن الحقوق الوطنية الفلسطينية والأمن للإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء؟

فالحروب قد تغير موازين القوة، لكنها لا تعالج بالضرورة أسباب الصراع. أما الاختبار الحقيقي للقيادات السياسية لدى الطرفين، فلا يكمن فقط في قدرتها على إدارة الحرب، بل في قدرتها على منع الحرب التالية، وحماية المدنيين، وتحويل الحقوق والأمن والكرامة الإنسانية إلى أسس لمستقبل أكثر استقرارًا للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى