الديمقراطية الإسرائيلية وحدود الشراكة: المواطن العربي ناخبٌ مقبول أم شريكٌ مرفوض؟

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: د.عبد الله كميل
أيّ ديمقراطية هذه التي تتغنى بها إسرائيل، بينما تتعالى أصوات أحزابها الكبرى، من اليمين والوسط، محذّرة من إشراك الأحزاب العربية في الحكومة، أو حتى من الاعتماد على دعمها البرلماني لتشكيل ائتلاف حاكم؟
إن السؤال هنا لا يتعلق فقط بالحسابات الحزبية أو التنافس على السلطة، بل يمسّ جوهر الديمقراطية ذاتها، ومفهوم المواطنة والمساواة السياسية، وحدود الاعتراف بالآخر داخل النظام السياسي الإسرائيلي.
في الأنظمة الديمقراطية، يُفترض أن تكون صناديق الاقتراع وسيلة لترجمة إرادة المواطنين إلى تمثيل سياسي حقيقي، وأن تكون نتائج الانتخابات أساساً لاحترام خيارات الناخبين، بصرف النظر عن خلفياتهم القومية أو الدينية أو الثقافية. لكن المشهد الإسرائيلي يطرح مفارقة تستحق التوقف أمامها: المواطن العربي مدعوّ إلى المشاركة في الانتخابات، وصوته محسوب في النتائج، وممثلوه حاضرون في الكنيست، لكن عندما يتعلق الأمر بالشراكة في تشكيل الحكومة، تتحول هذه المشاركة إلى قضية خلافية، بل إلى خط أحمر لدى عدد من القوى السياسية الإسرائيلية.
وهنا يبرز السؤال: هل المطلوب من المواطن العربي أن يمارس حقه الانتخابي فحسب، أم أن يكون شريكاً متساوياً في التأثير على القرار السياسي؟
ديمقراطية تتوقف عند حدود الهوية
إن جوهر الإشكالية يكمن في الفجوة بين الممارسة الديمقراطية من جهة، والتصور السياسي السائد لدى قطاعات من المؤسسة الحزبية الإسرائيلية من جهة أخرى. فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات دورية وتعددية حزبية، بل هي أيضاً قبول بالتعددية السياسية، واحترام حق المختلف في المشاركة، والاعتراف بأن المواطنة لا ينبغي أن تكون درجات أو مستويات متفاوتة.
وعندما يصبح الانتماء القومي معياراً غير معلن لتحديد من يحق له المشاركة في الحكم ومن لا يحق له، فإن ذلك يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة المساواة السياسية التي يقوم عليها النظام.
الصوت العربي ليس تفصيلاً انتخابياً
لقد أثبت المواطنون العرب(الفلسطينيين) في دولة الاحتلال، من خلال مشاركتهم الانتخابية وحضور ممثليهم في الكنيست، أنهم جزء فاعل من المشهد السياسي. ومن حق الأحزاب العربية أن تطرح برامجها ومواقفها، وأن تسعى إلى التأثير في السياسات العامة، وأن تكون جزءاً من أي ائتلاف حكومي تتوافر بشأنه تفاهمات سياسية وبرلمانية.
وبالطبع، فإن تشكيل الحكومات يقوم على التوافقات والبرامج والمواقف السياسية، وليس هناك ما يفرض على حزب أن يتحالف مع حزب آخر. لكن رفض الشراكة لمجرد الهوية القومية، أو تحويل الأحزاب العربية إلى شريك غير شرعي سياسياً، يختلف تماماً عن الاختلاف حول البرامج والمواقف.
الاختبار الحقيقي للديمقراطية
لا يمكن لإسرائيل أن تطالب العالم بالتعامل معها باعتبارها نموذجاً ديمقراطياً، بينما تتجنب مواجهة الأسئلة المتعلقة بالمساواة السياسية الكاملة لمواطنيها العرب.
إن الاختبار الحقيقي لأي نظام ديمقراطي لا يظهر عندما تتفق معه الأغلبية، بل عندما يكون أمامه اختلاف سياسي وقومي، وعندما تصبح مشاركة الأقلية مؤثرة في تشكيل السلطة وصناعة القرار.
ولا يتعلق الأمر هنا بمطالبة الأحزاب العربية بالتخلي عن هويتها أو مواقفها الوطنية، ولا بإعفائها من الالتزامات السياسية والبرلمانية، بل بالاعتراف بحقها في أن تكون شريكاً سياسياً على قدم المساواة مع بقية الأحزاب.
من التمثيل إلى الشراكة
إن مستقبل العلاقة بين المواطنين العرب والنظام السياسي الإسرائيلي لا يمكن أن يُبنى على الاكتفاء بالتمثيل البرلماني الشكلي، أو على استدعاء أصواتهم عند الحاجة ثم استبعادهم عند توزيع المسؤوليات وصناعة القرار.
إن المطلوب هو الانتقال من منطق قبول الصوت العربي في صندوق الاقتراع إلى الاعتراف بحقه في الشراكة السياسية، ومن التعامل مع الأحزاب العربية باعتبارها رقماً انتخابياً إلى التعامل معها باعتبارها مكوّناً سياسياً له حق المشاركة والتأثير.
وفي المحصلة، تبقى الأسئلة التي ينبغي أن تواجه المجتمع الإسرائيلي وقواه السياسية:
هل الديمقراطية حق متساوٍ لجميع المواطنين، أم امتياز تحدده هوية الأغلبية؟
وهل يمكن الحديث عن مساواة حقيقية في ظل وجود سقف سياسي يحدّ من مشاركة المواطنين العرب في الحكم؟
وهل تقبل إسرائيل أن يكون المواطن العربي شريكاً في صياغة مستقبل الدولة، أم أنها تريد منه أن يكون ناخباً دون أن يكون شريكاً؟
فالديمقراطية لا تُختبر فقط بحق المواطن في اختيار ممثليه، بل أيضاً بحق هؤلاء الممثلين في المشاركة في إدارة شؤون الدولة وصناعة مستقبلها.





