تضخم مظاهر المجتمع الاستهلاكي على حساب مقومات الإنتاج والصمود .

الكاتب: مروان اميل طوباسي

لست خبيرا اقتصاديا ولا أمتلك إحصائيات دقيقة على ما ساحاول نقاشه في هذه المقالة ، لكنني سأكتب عن ملاحظات ومشاهدات أصبحت تؤرقني وانا أسير في شوارع وازقة المدينة ومخيماتها واطرافها بل وفي مدن اخرى . هذه المدينة التي ولدت وعشت بها طيلة فترة حياتي ، درست بها وعملت بها وشاركت مع زملائي في بناء عدد من مؤسساتها الوطنية والاجتماعية منذ زمن الاحتلال ، عندما كان العطاء الوطني واجبا طوعيا دون مقابل وقبل ان يصبح للمال قيمة في تحديد مكانة بعض الناس والعلاقات الاجتماعية بينهم .

لقد شد انتباهي ما قاله الأخ الرئيس أبو مازن قبل يومين موجهاً حديثه لمجلس الوزراء : “أريد أن أرى تصنيعا في فلسطين ، لا أريد رؤية مدن صناعية فارغة.”

ان ترجمة ذلك يحتاج إلى رؤية وبرنامج وادوات لسياسات واضحة من اجل تعزيز الصناعة الوطنية ودعم الاقتصاد الوطني ومحاربة البطاله ونقل المجتمع من حالة الاستهلاك إلى حالة الإنتاج بكافة القطاعات ما يعزز امر الصمود والثبات .

وفي هذا الخصوص فانني اذكر اليوم ورغم يُسر الحالة المادية للعديد من العائلات بالعقود السابقة ، الا اننا كنا نعيش وفق المقولة الشعبية “على قد فراشك مد رجليك ” ، وربما لو اتبعنا المثل الذي يقول “خبي قرشك الأبيض ليومك الأسود ” ، لكانت تلك العائلات الآن في وضع مالي أفضل مما هي فيه الآن ولكانت قدرتها على تحمل أعباء غلاء المعيشة أفضل في هذه المدينة التي سبقت بغلائها مدن وعواصم عالمية أخرى فيها دخل الفرد أضعاف ما لدينا .

فلم تعتمد معظم تلك العائلات حينها المال لتحديد مكانتها او على الوظائف التي لم تكن متوفرة كما هي الآن خاصة بالقطاع العام الحكومي وما تحققه من دخل كمصدر وحيد ، بل اجتهدت في أعمال مهنية وتجارية وزراعية خاصة أخرى بما اتاحته الظروف لها على مر العقود بما حققه من دخل لها .

عشنا طويلا في مجتمع لم نلاحظ فيه الفروقات الطبقية أو أشكال الاستغلال البشع او الثراء غير المشروع ، لم يكن ذلك من سمات المجتمع الذي ساد منذ عقود وحتى في زمن الاحتلال البغيض رغم قلة الفرص الاقتصادية بحكم تضيقات الاحتلال على مكونات الإنتاج وفرص البناء الاقتصادي ، وهذا حال اي احتلال بالدنيا .

اما اليوم ورغم ما اتاحته ظروف انشاء السلطة الوطنية وفق اتفاقيات أوسلو وما تبعها وخاصة ملحق باريس الاقتصادي ، تلك الاتفاقيات التي تباينت الاراء بخصوصها وبخصوص ما الت له من نتائج لست بصدد نقاشها أو ابداء الرأي بخصوصها ايجابا أو سلبا في هذه المقالة الموجزة .

الا اننا وبشكل عام لم نتمكن من إتمام عملية الانفكاك الاقتصادي عن الاحتلال أو لم يسمح لنا بذلك وهو ما قد يكون أدق من حيث الوصف ، ولم يسمح لنا بانهاء المرحلة الانتقالية المفترضة والانتقال إلى تجسيد الدولة المستقلة ذات السيادة على مصادرنا ومواردنا المختلفة حتى اليوم ، مما اضاف إلى تعقيدات الأوضاع تعقيدات جديدة على اثر توسع الاستيطان الاستعماري وحصار غزة والقدس والجدار وجرائم الاحتلال اليومية وغياب اي أفق سياسي يقودنا إلى الاستقلال الوطني بفعل الرؤية الاستعمارية الصهيونية صاحبة المشروع الاستيطاني في كل ارض فلسطين وبفعل نفاق الغرب صاحب ازدواجية المعايير التي ساهمت في إطالة أمد الاحتلال دون عقاب ومحاسبة .
هذا الغرب الذي درج على تقديم منح مالية غير كافية للموازنة التشغيلية لحكومتنا والتي نتج عنها استدانة الحكومة من البنوك المحلية ، اضافة الى اختصار تقديم مساعدات لتغطية برامج ونشاطات أو مشاريع بنية تحتية ذات تشغيل مؤقت ، في وقت لم تقدم المساعدات أو المنح لتطوير القاعدة الاقتصادية الصناعية الإنتاجية لمجتمعنا مما أدى إلى غياب فرص تشغيل الأيدي العاملة ، واقتصر ذلك على عدد محدود من مشاريع متوسطة اقامها القطاع الخاص الفلسطيني في قطاعات صناعية محدودة لا تؤهل إلى الانفكاك الاقتصادي عن الاحتلال رغم نجاعة وقصص نجاح لعدد منها .
كما وزادت نسب وأحجام الاستيراد من دول مختلفة وبشكل خاص من تركيا أو من الاردن والصين لتدني تكلفة الإنتاج فيها ، الأمر الذي شجعته الجهات الحكومية بمبرر استيفاء مبالغ الجمارك والمكوس لصالح الخزينة ، والتي لم يتم الاستفادة منها وفق المطلوب لاستمرار احتجاز الاحتلال مبالغ منها ، علما بأن ما تقطعه إسرائيل من أموال المقاصة لصالحها بلغ بحدود ٢٨٠ مليون دولار خلال الربع الأول من هذا العام .
وقد بلغ العجز التجاري لفلسطين مع العالم في شهر نيسان من هذا العام ٥٥٣ مليون دولار ومع إسرائيل لوحدها ٢٨٧ مليون دولار لنفس الشهر نيسان . كل ذلك حاصل على حساب الانتاج الوطني مما أثر سلبا على الصناعات الوطنية وادى الأمر ببعض المنشأت إلى الاغلاق وتراكم الديون عليها.

صحيح ان أشكال متطلبات الحياة قد تغيرت واصبحت اكثر تنوعا ، واهتمامات قطاع الشباب أصبحت تختلف من حيث أشكالها بل ومن حيث مضامينها في بعض الحالات ، عن تلك الأشكال وجوهر المعيشة التي رافقتنا في شبابنا ، وذلك بفعل العولمة من جهة وتطور المعرفة الرقمية والتكنولوجية التي دخلت مفاصل الحياة ، هذا إضافة إلى طول عمر الاحتلال الذي دخل عامه ال ٥٥ وما رافقه من عذابات وتضحيات جسام تركت إثارا مختلفة ومتنوعة على قطاع الشباب تحديدا واهتماماتهم التي انعكست على مستويات المعيشة ونوعيتها التي أصبحت اكثر كلفة وأكثر تغيرا من حيث الاهتمامات.

وقد رافق ذلك ازدياد عدد خريجين الجامعات وخاصة المحلية منها في مساقات افتقرت إلى التخصصات المتعلقة بالتدريبات المهنية المتوسطة الصناعية والزراعية منها ، فتضخم عدد خريجي التخصصات المهنية إلى حد كبير لا يستوعبه سوق العمل لدينا ، فلجاء عدد من هؤلاء الخريجين إلى سوق العمل الحكومي أو للعمل في داخل إسرائيل في أعمال البناء والخدمات ومنها داخل المستوطنات ، وقلة منهم استطاعوا الحصول على وظائف تتعلق بتخصصاتهم ربما في قطاع المؤسسات الاهلية .

وزادت هذه الاوضاع من إعداد موظفين الخدمة المدنية بالقطاع الحكومي كأكبر مشغل ، دون ان يكون هنالك حاجة لمثل هذا التضخم الوظيفي ، وخاصة أن عدد منها دون كفاءات مطلوبة مما أدى الى زيادة العبئ والارهاق على الموازنة التشغيلية للحكومة وظهور أشكال البطالة المقنعة التي اعاقت من مهنية العمل ومستوى الاداء برواتب متوسطة لا تلبي احتياجات المعيشة ومستويات الحياة وغلاء المعيشة المتصاعد يوميا بفعل تداعيات أزمات الاقتصاد العالمي أو بفعل جشع بعض التجار وغياب الرقابة الحكومية المناسبة بما بسمح به القانون للحد من ذلك الارتفاع الغير مبرر للأسعار لعدد من السلع أو الخدمات وتحديدا في محافظة رام الله والبيرة تحت بصر الجميع .
فزادت نسب الفقر في مجتمعنا من جهة في وقت زاد به ثراء البعض ومنهم اغنياء الأوضاع القائمة والذين كان يطلق عليهم بمجتمعات اخرى “اغنياء حرب” ، واتسعت هوة الفوارق الطبقية وقل اتساع وحجم الطبقة الوسطى التي كانت تشكل بالسابق النسبة الغالبة من المجتمع الفلسطيني الذي لم تسوده سابقا فوارق طبقية واضحة .
ومن جهة اخرى اتسع عدد اصحاب الدخل المحدود الذي لا يتيح تغطية المصاريف الأساسية لعائلة متوسطة ، فتراكمت الديون واتسع حجم القروض البنكية بعد تشكل النظام المصرفي منذ انشاء السلطة الوطنية ، كما أدى ذلك إلى ارتفاع نسب الفقر .

هذه المصارف التي اتاحت فرص الحصول على القروض البنكية بضمان الراتب أو برهن العقار وبفوائد بنكية متنوعة ، ليس تحديدا لاقامة مشاريع إنتاجية تفتح آفاق تشغيل الأيدي العاملة وتقلل من نسب البطالة ، بل لزيادة وتشجيع نمط الحياة الاستهلاكي والذي فاق ما يسمح به دخل الفرد لضمان مستوى من المعيشة المقبولة رغم تدني المداخيل ، فاصبحنا نتنافس على مظاهر المجتمع الاستهلاكي .

فقد استُغلت القروض لشراء شقق سكنية فارهة لا تقل مساحتها عن ١٥٠ متر مربع ، في غياب بناء شقق سكنية شعبية للازواج الشابة بمساحات معقولة كما هو في دول أخرى متقدمة ، كما وأقدم قطاع الشباب والموظفين ذوي الدخل المحدود على شراء سيارات جديدة خاصة ذات الدفع الرباعي بفعل تشجيع البنوك لمثل تلك القروض بضمان رهن السيارة ، بل وأقدم آخرين على شراء سيارات مستوردة تقل عامين أو ثلاث عن أحدث انتاج ايضا معظمها من خلال قروض بنكية وذلك بعد أن تم السماح باستيراد مثل تلك المركبات من الخارج مباشرة بعد وقف تجارة السيارات المستخدمة مع اسرائيل ، حيث

تجاوز عددها ٣٠٣ آلاف سيارة مسجلة حتى نهاية ٢٠٢١ عدا عن عدد السيارات الغير مرخصة ، وبلغ حجم عقود التاجير التمويلي للسيارات حوالي ٣٥ مليون دولار للربع الأول من هذا العام ٢٠٢٢ .
وعملت البنوك أيضا على اصدار ” بطاقات الاعتماد للحياة السهلة easy life ” ، لتمكين المواطن من شراء المفروشات والأدوات الكهربائية والاكترونيات بواسطة تلك البطاقات بالتقسيط لعدة أشهر .

كل ذلك راكم على المواطن أقساط شهرية لسداد القروض وصلت حتى ٧٥% من الدخل الشهري للمواطن وتحديدا للموظفين منهم ، حتى أن سداد تكاليف متطلبات الحياة الأساسية من مياه وكهرباء واقساط مدارس أو جامعات للأبناء وشراء المواد التموينية الأساسية أصبح صعبا دون احتساب المصاريف الأخرى، وبالتالي أصبحت تكاليف الحياة بمعظم الحالات اكثر من دخل الفرد ، مما استدعى البعض للحصول على قروض شخصية اضافية زادت من الأمور تعقيدا أو الاعتماد على مساعدة الأقرباء الذين يعملون بالخارج فوصلت قيمة المبالغ المحولة من مغتربين الخارج لاقربائهم المواطنين هنا حوالي ٣،٥ مليار دولار عام ٢٠٢١ من أجل تغطية مصاريف المعيشة وغلاء الأسعار دون ان تستغل تلك التحويلات بإقامة مشاريع إنتاجية اساسية . كما لم يقم القطاع العام وحتى الخاص إلى حد ما بتأسيس مثل تلك المشاريع الإنتاجية الصناعية الكبيرة للتقليل من نسب البطالة والتقليل من إعداد العاملين باسرائيل ، علما بأن حجم ودائع القطاعين العام والخاص لدى البنوك بلغت ١٦ مليار دولار حتى نيسان من هذا العام اي بزيادة بلغت مليار دولار عن نفس الفترة من العام الماضي ٢٠٢١ .

والسؤال بالنهاية إلى متى والى أين نحن ذاهبون دون تخطيط وتوجيه اقتصادي بما تقتضيه ظروف شعبنا والحالة السياسية القائمة في سعينا لانهاء الاحتلال وما يتطلبه ذلك من ترشيد الاستهلاك والتخطيط الاقتصادي خاصة في مجالات الزراعة وقطاعي السياحة والصناعة يقوم على اسس اقتصاد انتاجي مقاوم ، علما باستحالة التنمية المستدامة في ظل استمرار أشكال الاحتلال والاستيطان ، لكن بالإمكان توجيه القطاعات الاقتصادية وتخطيطها ومراقبة السوق وفق سياسات واضحة تتفق وتوجيهات الأخ الرئيس باجتماع مجلس الوزراء ومتطلبات بناء الذات وتمكين الناس من الصمود بكرامة لمواجهة التحديات

الرابط مختصر: