(عَرَفَة): عظمة الزمان، وعظمة المكان

الكاتب: نصر فحجان

لماذا يقف الحجيج بعرفة؟
وهل لجبل عرفات خصوصية ما؟
ولماذا يقفون في يوم التاسع من ذي الحجة بعرفة؟
هل لهذا اليوم خصوصية خاصة؟

في الحديث الشريف نقرأ حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، يقول فيه: (الحَجُّ عَرَفَة)، في إشارة إلى عظمة المكان، وعظمة الزمان، فيشير إلى (المكان) وهو جبل عرفة الذي يقف فيه كل الحجيج تائبين مستغفرين، وقد تجردوا من دنياهم وزينتهم، يلبسون ما يستر عوراتهم ليس أكثر.
ويشير أيضًا إلى (الزمان) وهو يوم التاسع من ذي الحجة، وهو يوم الوقوف بعرفة، حيث يقف الحجيج في هذا اليوم تحديدًا، يتضرعون إلى الله تعالى بالدعاء والإنابة والتلبية.
فما هو سرّ عرفة؟

أولًا: عظمة المكان (جبل عرفة):

إنَّ المتأمل لبعض النصوص في القرآن والسُّنة، يجد أنَّ هناك إشاراتٍ واضحةً تخصُّ جبل عرفة، وأنَّ ثَمَّة علاقةً لآدم عليه السلام بهذا المكان منذ بداية استخلاف الله تعالى له في الأرض، وقبل أنْ يكون له نسلٌ وذرية.

جاء في الحديث الشريف أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(أخذ الله تبارك وتعالى الميثاق من ظهر آدم بنَعْمان يعني (عَرَفة)، فأخرج من صُلبه كلَّ ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذَّر، ثم كلمهم قُبُلًا، قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا أنْ تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين…) السلسلة الصحيحة للألباني (4/158)

فآدم عليه السلام كان في عَرَفَة عندما أخذ الله تعالى الميثاق من ظهره، فأخرج من صُلبه كلَّ ذرية ذرأها، وفي هذا دلالة على:

  1. جبل عرفة هو المكان الذي كان بداية استخلاف الله تعالى لآدم عليه السلام في الأرض.
  2. في جبل عرفة أخذ الله تعالى الميثاق من بني آدم جميعًا، وأشهدهم على أنفسهم: (ألست بربكم؟)، قالوا: بلى.
  3. إنَّ وجود آدم عليه السلام في عَرَفَة في أوّل استخلافه في الأرض، وكذلك أخْذ الله تعالى للميثاق من بني آدم في هذا المكان بالذات، يفسر لنا وقوف الحجيج جميعًا فيه، وكأنهم يرجعون إلى نفس المكان الذي أَخَذ الله تعالى فيه منهم الميثاق وهم منثورون بين يدي آدم كالذر، ليجدِّدوا العهد والميثاق لله تعالى، بأنهم على عهدهم وميثاقهم.

ثانيًا: عظمة الزمان (يوم عرفة):

والحديث السابق له رواياتٌ أخرى تُبيِّن أنَّ الله تعالى قد أخذ الميثاق من بني آدم في يوم عرفة، وهو يوم التاسع من ذي الحجة، حيث يقف الحجيج بجبل عرفة، وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(إنَّ الله أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان يوم عرفة، فأخرج من صُلبه كل ذرية ذرأها، فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قبلاً، قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا…) شرح الطحاوية (240) صححه الألباني.
وبحسب هذا الحديث الصحيح فإنَّ الله تعالى قد أخذ الميثاق من بني آدم في اليوم التاسع من ذي الحجة وهو يوم عرفة.

وإنَّ ممّا يفسر لنا وقوف الحجيج في هذا اليوم العظيم بجبل عرفة:

  1. يوم عرفة هو اليوم الذي أخذ الله تعالى فيه ميثاق بني آدم، وأشهدهم على أنفسهم: (ألست بربكم؟)، قالوا: بلى، فهو يوم الميثاق مع الله تعالى، فكأنّ الحجيج يقفون بعرفة في نفس اليوم الذي أعطوا فيه العهد لربهم بالعبادة والطاعة، وهو يوم عرفة.
  2. يوم عرفة هو يومٌ قال الله تعالى فيه: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون) المائدة 3، وهو إعلانٌ بأنّ النصر حتمًا للإسلام، ولا أمل للذين كفروا بالظهور على هذا الدين.
  3. يوم عرفة يوم اكتمال الدين، وإتمام النعمة على المسلمين، يقول الله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا) المائدة 3، فاكتمال الدين كان في يوم عرفة، وتمام النعمة كان في يوم عرفة، وهذه الآيةٍ نزلتْ في يوم عرفة، وعلى جبل عرفة.
  4. يوم عرفة كان بداية العدّ الزماني، والدورة السنوية الزمنية للكون منذ أنْ خلق الله السموات والأرض، يقول النبي صلى الله عليه وسلم وهو في حجة الوداع في اليوم التاسع من ذي الحجة في يوم عرفة:

(إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض) رواه البخاري
وهذا إخبارٌ غيبي بأنّ يوم عرفة كان بداية العدّ والنظام الزماني لهذا الكون منذ خلق الله السموات والأرض: (إنّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض) التوبة 36، فالزمان قد استدار كهيئته تمامًا يوم خلق السموات والأرض.

وفي هذا إشارة أيضًا إلى بطلان النسيء الذي كان يقوم به الكفار، كما في قوله تعالى: (إنما النسيء زيادة في الكفر يُضَل به الذين كفروا يحلّونه عامًا ويحرمونه عامًا ليواطئوا عدة ما حرم الله).

وبعبارة أخرى:

إنّ استدارة الزمان كهيئته يوم خلق السموات والأرض في يوم عرفة، كانت متزامنةً مع اكتمال الدين في الأرض، ومع الإخبار القطعي من الله تعالى بيأس الكافرين من الدين، ومع ذكرى حدوث الميثاق بين الله تعالى وبين بني آدم ليكون يومًا لهم للوفاء بالعهد وتجديد الميثاق، وكان هذا كله في يوم عرفة…

فما أعظم عرفة الذي يجمع بين عظمة المكان وعظمة الزمان !!
وليس من فراغ بعد هذا كله أنْ يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: (الحج عرفة) أخرجه أبو داود 1949وصححه الألباني .

وليس من فراغ أنْ يحثنا النبي عليه الصلاة والسلام على صيام يوم عرفة فيقول: (صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده) أخرجه مسلم1162
والله تعالى أعلى وأعلم

الرابط مختصر: