ثابت

بعد 80 عاماً من التعليم.. الأونروا تواجه معركة لإنقاذ مدارس لاجئي فلسطين

الخامسة للأنباء - غزة

تواجه وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين “الأونروا” ضغوطاً مالية وسياسية متزايدة تهدد قدرتها على مواصلة تقديم خدمات التعليم لنحو 540 ألف طفل من لاجئي فلسطين في قطاع غزة والضفة الغربية والأردن وسوريا ولبنان.

وتأتي الأزمة في وقت تكشف فيه بيانات الوكالة عن إرث تعليمي يمتد لنحو ثمانية عقود. تخرج خلاله نحو 2.5 مليون فلسطيني من مدارسها. قبل أن يلتحق كثير منهم بالتعليم العالي وسوق العمل في مجالات بينها الطب والتعليم والقانون وريادة الأعمال والمحاسبة والحرف.

وقالت مديرة برنامج التعليم في الأونروا جوليا ديكوم، في حوار مع «أخبار الأمم المتحدة»، إن الوكالة تدير نظاماً تعليمياً يعتمد المناهج الرسمية المعمول بها في مناطق عملياتها. ويقدم التعليم الأساسي عموماً حتى الصف التاسع، بينما يمتد إلى الصف العاشر في الأردن والثاني عشر في لبنان.

نظام تعليمي مرتبط بالمجتمعات المضيفة

وأوضحت ديكوم أن خصوصية نموذج الأونروا تكمن في اندماجه مع أنظمة التعليم المحلية. بما يسمح للطلاب بالانتقال إلى المرحلة الثانوية أو التعليم الجامعي والتدريب المهني دون الحاجة إلى الالتحاق بنظام تعليمي منفصل.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

ويضم برنامج التعليم والتدريب التقني والمهني في الوكالة حالياً نحو 6 آلاف طالب تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عاماً. مقارنة بنحو 8 آلاف طالب قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. فيما تراجعت القدرة التشغيلية لمركزين في غزة نتيجة الحرب.

وخلال نحو 80 عاماً، أسهم نظام الأونروا التعليمي في تخريج نحو 2.5 مليون لاجئ فلسطيني. التحق عدد كبير منهم بالتعليم العالي والتدريب المهني، ثم عملوا في قطاعات متعددة، من بينها التعليم والطب والتمريض والقانون وريادة الأعمال والمحاسبة والمهن الحرفية.

وترى ديكوم أن المدرسة لا تقتصر وظيفتها على تقديم الدروس. بل تمثل بالنسبة للطفل مساحة أساسية لاكتشاف العالم خارج نطاق الأسرة وبناء الطموحات والتطلعات للمستقبل، معتبرة أن استمرار التعليم يمنح الأطفال فرصة لبناء حياة أكثر استقراراً.

100 مليون دولار فجوة تمويلية

لكن قدرة الأونروا على الحفاظ على هذا الدور تواجه أزمة مالية متفاقمة، إذ تبلغ فجوة تمويل برنامج التعليم نحو 100 مليون دولار حتى نهاية كانون الأول/ديسمبر 2026.

ودفعت الأزمة الوكالة إلى تقليص أيام الدراسة من خمسة إلى أربعة أيام أسبوعياً، إلى جانب خفض ساعات العمل المدفوعة للمعلمين وموظفين آخرين من 37 إلى 30 ساعة أسبوعياً.

ولا ينعكس هذا التقليص على عدد أيام حضور الطلاب فحسب، بل يحد أيضاً من الوقت المتاح للمعلمين لإعداد الدروس ومتابعة الطلبة والتواصل مع أولياء الأمور والتعامل مع المشكلات التعليمية والاجتماعية التي تواجه الأطفال.

كما ارتفعت نسبة الطلاب إلى المعلمين إلى نحو 50 طالباً لكل معلم. مقارنة بنحو 30 طالباً أو أقل في الظروف الأفضل، بالتزامن مع تراجع أعداد الموظفين الفنيين الداعمين للمدارس. رغم تصاعد الحاجة إلى خدمات الدعم النفسي والاجتماعي.

وتضم مدارس الأونروا في المتوسط نحو ألف طالب في المدرسة الواحدة، فيما يعمل بعضها بنظام الفترتين، ما يزيد من صعوبة توفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي بالقدر المطلوب. وتشير الوكالة إلى أن نحو مدرسة من كل ثلاث مدارس تقع في مناطق شديدة التأثر بالحرب وتحتاج إلى دعم إضافي.

غزة.. التعليم تحت وطأة الحرب

وتظهر آثار الأزمة بصورة أكثر حدة في قطاع غزة، حيث أغلقت معظم مباني مدارس الأونروا أو تحولت إلى ملاجئ منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.

ورغم إعادة فتح بعض المدارس أو تخصيص أجزاء من منشآت للتعلم المؤقت، فإن غالبية أطفال لاجئي فلسطين في غزة يعتمدون منذ عام 2024 على التعليم عن بعد.

وتقر ديكوم بأن التعليم الإلكتروني لا يوفر البيئة التعليمية المثالية، لكنه يمثل في الظروف الحالية الوسيلة المتاحة للوصول إلى غالبية الأطفال في القطاع.

ولا تقتصر اضطرابات التعليم على غزة، إذ ظلت 10 مدارس للأونروا في شمال الضفة الغربية مغلقة لفترات طويلة. بينما شهد جنوب لبنان فترات من إغلاق المدارس خلال العام الماضي قبل إعادة فتح معظمها.

وفي القدس الشرقية، يدخل طلاب مدارس الأونروا عامهم الدراسي الثاني من دون قدرة على الوصول إلى مدارسهم، ما دفع الأطفال وعائلاتهم إلى البحث عن بدائل تعليمية.

ورغم هذه الظروف، تبرز قصص لطلاب تمكنوا من تحويل ما تعلموه إلى حلول عملية لمشكلات فرضتها الحرب.

ومن بين هذه النماذج الشقيقتان فرح وتالا موسى، البالغتان 15 و17 عاماً، اللتان تخرجتا في مدارس الأونروا في غزة وفازتا في وقت سابق من العام بـ”جائزة الأرض العالمية لمنطقة الشرق الأوسط“. بعد ابتكارهما طريقة لتحويل أنقاض منزلهما إلى قوالب طوب يمكن استخدامها في البناء.

وترى ديكوم أن تجربة الشقيقتين تعكس قدرة التعليم، خصوصاً في مجالات العلوم، على تحويل المعرفة إلى حلول عملية حتى في ظل الحرب والدمار.

معايير اليونسكو

وفي ما يتعلق بجودة التعليم، قالت ديكوم إن الأونروا تعمل على تحقيق توازن بين اعتماد المناهج الرسمية للدول المضيفة والالتزام بقيم الأمم المتحدة ومعايير اليونسكو، بما يحافظ على حيادية العملية التعليمية.

ومنذ عام 2024، تركز الوكالة على تنفيذ التوصيات التعليمية الواردة في تقرير كولونا. وقد أنجزت 62% منها حتى نيسان/أبريل 2026، بالتعاون مع اليونسكو ووزارات التربية والتعليم في الدول المضيفة.

وتلخص ديكوم التحدي الذي يواجه برنامج التعليم في ضرورة إبقاء المدارس مفتوحة رغم تداخل نقص التمويل مع تداعيات الحرب والأزمات السياسية.

وتدعو إلى استثمار مستدام في التعليم بالتوازي مع تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة. معتبرة أن توفير تعليم قوي وآمن للأطفال لا يمثل استجابة إنسانية فحسب، بل استثماراً طويل الأمد في مستقبل المجتمعات التي يعيش فيها اللاجئون الفلسطينيون.

وبينما يستعد الأطفال حول العالم للعودة إلى مقاعد الدراسة، تخوض مدارس الأونروا معركة للحفاظ على حق نحو 540 ألف طفل في التعليم، وسط فجوة تمويلية تبلغ 100 مليون دولار. وتقليص في أيام الدراسة، وارتفاع أعداد الطلاب داخل الفصول، وتراجع خدمات الدعم. وفي المقابل. يبقى إرث ملايين الخريجين على مدى ثمانية عقود شاهداً على التأثير الممتد للتعليم في حياة اللاجئين الفلسطينيين ومجتمعاتهم.

خدمات عبر الأجيال

تأسست الأونروا عام 1949 في أعقاب نكبة عام 1948، لتقديم المساعدة والحماية والخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين. ومع استمرار الصراع وعدم التوصل إلى حل لقضية اللاجئين. تحولت الوكالة من هيئة كان يفترض أن تكون مؤقتة إلى مؤسسة تقدم خدماتها عبر أجيال متعاقبة من اللاجئين الفلسطينيين. ويعد التعليم أحد أبرز برامجها وأكثرها امتداداً، إلى جانب الصحة والإغاثة والخدمات الاجتماعية.

وخلال عقود عملها، بنت الأونروا شبكة واسعة من المدارس في غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية والأردن ولبنان وسوريا. وأصبح التعليم الذي تقدمه جزءاً من الحياة اليومية لملايين اللاجئين الفلسطينيين. كما طورت الوكالة نموذجاً تعليمياً يعتمد مناهج الدول المضيفة، مع إدخال مواد وممارسات تتوافق مع قيم الأمم المتحدة، بما يسمح للطلاب بالانتقال لاحقاً إلى أنظمة التعليم المحلية.

ومع اندلاع الحروب والأزمات المتكررة في مناطق عملياتها، تحول الحفاظ على استمرارية التعليم إلى جزء أساسي من عمل الأونروا في حالات الطوارئ. وطورت الوكالة. عند تعذر الوصول إلى المدارس، منصات للتعلم عن بعد ومواد للتعلم الذاتي، بهدف الحد من انقطاع الأطفال عن الدراسة.

لكن برنامج التعليم يواجه اليوم واحدة من أصعب مراحله، في ظل تراجع التمويل وتزايد الاحتياجات الناجمة عن الحروب والنزوح واكتظاظ المدارس. وتقول الأونروا إن مئات الآلاف من أطفال لاجئي فلسطين يواجهون بالفعل صعوبات في الوصول إلى التعليم نتيجة النزاعات والنزوح وتراجع الموارد المالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى