شبكة الخامسة للأنباء - غزة

بين القصف والقوارض.. تقرير خاص إعداد: سهر دهليز
في خيامٍ بالكاد تقيهم حرّ الشمس وبرد الليل، يخوض آلاف النازحين في قطاع غزة معركة يومية من نوع مختلف، لا تقل قسوة عن الحرب نفسها؛ إنها مواجهة مفتوحة مع القوارض والبراغيث التي غزت مخيمات النزوح، في ظل غياب شبه كامل لوسائل المكافحة ومنع إدخال المبيدات.
تحولت مخيمات النزوح إلى بيئة مثالية لتكاثر القوارض والحشرات، نتيجة الاكتظاظ الشديد وتراكم النفايات واختلاط المياه العادمة، ما أدى إلى انتشار واسع للبراغيث والبعوض والجرذان داخل الخيام وبين أمتعة النازحين.
ومع استمرار إغلاق المعابر ومنع إدخال مواد المكافحة، باتت هذه الكائنات شريكًا يوميًا في حياة النازحين، تهاجمهم ليلًا ونهارًا دون قدرة على السيطرة عليها.
معاناة يومية داخل الخيام
يروي نازحون تفاصيل حياة تحولت إلى جحيم، حيث تتناوب الحشرات على مهاجمة أجسادهم، فتمنع النوم وتنهك الأطفال، في ظل غياب أي وسائل فعالة للحماية.
أكدت إحدى الأمهات إنها تضطر للسهر طوال الليل لطرد الحشرات عن أطفالها، فيما يستيقظ آخرون على صرخات صغارهم بسبب اللدغات المتكررة، وسط خيام مهترئة لا توفر الحد الأدنى من الحماية.
الحاجة هدى الشريف وهي أم ل4 أطفال قالت: “لم تكن الفئران مجرد زوّار غير مرحب بهم بل كلص يتسلل ليلًا، لتعبث بالطعام والملابس وكل ما تحتويه خيامنا وتفسده، ورغم محاولاتنا العديدة لطردها بوسائل بدائية إلا أنها كانت تعود أسوأ بشكل أكبر كونه لا يوجد أي مبيدات قوية لمقاومتها وضمان عدم عودتها”.
وأضافت: “كل ليلة كانت معركة… أحاول فيها حماية الطعام، الأغطية، وملابس أطفالي، كنت أقوم برفع كل شيء عن الأرض إلا أنها كانت تقفز فوق الاغراض وتفسدها،رغم أننا بالكاد نحصل على هذه الأشياء. حيث أصبحنا نعيش في حالة استنزاف مستمر”.
وتصف معاناتها اليومية بقلق واضح: “أن أخطر ما تقوم به القوارض هو الاعتداء وعض أطفالي أثناء النوم فلم تعد تكتفي بالتخريب، ولم يعد الأمر مجرد إزعاج، بل خطر حقيقي. فأصبحت أسهر الليل أراقبهم، أخشى أن يستيقظ أحدهم وهو مصاب”.
ولم تعد المعاناة مقتصرة على الإزعاج، بل تجاوزتها إلى مخاطر مباشرة، حيث سجلت حالات اعتداء من القوارض على أطفال داخل الخيام، ما يعكس حجم الخطر المتصاعد في هذه البيئة الهشة.
بين القصف والقوارض.. ليلة الحادثة
أم أدم الأستاذ قالت: “ليلة الحادثة لن أنساها ما حييت… كنا نائمين داخل الخيمة، وفجأة استيقظت على صراخ ابني آدم بطريقة مرعبة، وعندما اقتربت منه، رأيت الدم يغطي وجهه… جرذ كان قد عضّه وهو نائم، لم أستوعب ما حدث… ابني كان يرتجف من الخوف والألم، وأنا عاجزة عن حمايته. كيف لطفل أن يتعرض لهذا وهو في حضن أمه؟!”
وأضافت: “نعيش وسط القوارض والحشرات دون أي حماية. حاولنا إغلاق الخيمة بكل الطرق، لكن لا فائدة… الجرذان تدخل من كل مكان والبراغيث والحشرات التي لا نعلم من أين تأتي وكيف تتكاثر و نحن لا نملك حتى مبيدًا نستخدمه لمقاومتها”
وختمت حديثها بألم: “أنا لا أخاف فقط من تكرار الحادثة، بل من الأمراض التي قد تصيبه. ابني لم يعد ينام من الخوف… وكل ليلة نعيش نفس الرعب، ننتظر أن يحدث شيء جديد”.
حياة داخل عالم القوارض
وفي خيمةٍ لا تقي حرًا ولا بردًا غرب دير البلح، يروي جمال نبهان تفاصيل معاناة يومية تحوّلت إلى كابوس مستمر، حيث باتت القوارض والبراغيث جزءًا من حياته وحياة أطفاله، قائلاً: “نعيش كابوسًا يوميًا داخل الخيمة… الجرذان لا تتركنا حتى أثناء النوم، وأطفالي يستيقظون وهم يصرخون من لدغات البراغيث. لم نعد نعرف كيف نحميهم، لا يوجد مبيدات ولا حتى وسائل بسيطة، وأحيانًا أخاف عليهم من هذا الخطر أكثر من القصف”.
وتابع واصفًا حجم المأساة: “البراغيث غزت كل شيء… الملابس، الأغطية، وحتى أجسادنا. نعاني من حكة مستمرة والتهابات، ولا يوجد علاج. الحياة هنا أصبحت غير إنسانية بكل معنى الكلمة”، مشيرًا إلى بداية النزوح، كانت الفئران تظهر بين الحين والآخر، تتسلل بين الخيام وتعبث ببعض الطعام، و محاولتهم مكافحتها بوسائل بدائية، لكن الوضع اليوم تغيّر تمامًا للأسوأ.
وختم حديثه قائلاً: “لم نرَ مثل هذا الوضع من قبل… القوارض أصبحت أقوى منا، ونحن بلا حيلة. هذا لم يعد مجرد إزعاج، بل خطر حقيقي على حياتنا وصحتنا. نحن لم نعد نسيطر على المكان، وكأننا نحن من انتقل للعيش في عالمها، لا هي التي اقتحمت حياتنا فقط، بل وكأننا نحن من أصبحنا داخل بيئتها”.
تحذيرات من كارثة صحية
وأكدت مصادر صحية وبيئية أن استمرار منع إدخال المبيدات والمواد اللازمة لمكافحة الآفات خلق فراغًا خطيرًا في منظومة الصحة العامة، رغم محاولات متكررة من البلديات والمؤسسات الدولية لتوفير هذه المواد.
وبدوره حذّر الخبير في الصحة العامة والبيئة ومكافحة الحشرات الضارة، د. سعود صالح الشوا، من تفاقم خطير في انتشار القوارض والحشرات بقطاع غزة، نتيجة تراكم النفايات والركام ومياه الصرف، إلى جانب منع إدخال المبيدات منذ عام 2023.
وأكد أن هذه الظروف خلقت بيئة مثالية لتكاثر الفئران والبراغيث، ما ينذر بانتشار أمراض خطيرة مثل الليبتوسبيروز والسالمونيلا. إضافة إلى تهديد الأمن الغذائي، مشيرًا إلى أن أبرز التحديات تتمثل في منع إدخال مبيدات فعالة. وضعف الإمكانيات المحلية في مواجهة الأزمة، رغم جهود البلديات.
ودعا الشوا إلى تدخل دولي عاجل لإدخال المبيدات ضمن المساعدات الإنسانية، وتعزيز إدارة النفايات. محذرًا من تحول الوضع إلى كارثة وبائية واسعة في حال استمرار القيود الحالية.
كما حذرت جهات دولية من قرب نفاد مخزون المبيدات في بعض مناطق القطاع. ما ينذر بتفاقم الأزمة بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة
بين الحرب والنزوح، يواجه سكان غزة معركة أخرى صامتة داخل خيامهم، عنوانها القوارض والبراغيث. ونتيجتها معاناة يومية لا تُحتمل. ومع استمرار منع وسائل المكافحة، تتسع دائرة الخطر. لتتحول هذه الأزمة إلى تهديد حقيقي للحياة، يتطلب تدخلًا عاجلًا قبل أن يتفاقم إلى كارثة صحية شاملة.




