تعذيب الأسرى الفلسطينيين: بن غفير وسياسة الانتقام المنظمة في سجون الاحتلال
بقلم عبدالحكيم سليمان وادي

الخامسة للأنباء - غزة
في زنازين الاحتلال الاسرائيلي ، تتجسد أبشع صور القمع والتوحش المؤسسي الذي يمارسه الكيان الصهيوني بحق الأسرى والأسيرات الفلسطينيين. ليست سجون الاحتلال مجرد أماكن لسلب الحرية، بل هي معامل للألم ومسالخ للكرامة الإنسانية، تغتال فيها أبسط الحقوق التي كفلتها المواثيق الدولية. وفي قلب هذا المشهد المعتم، يبرز اسم إيتمار بن غفير، وزير الأمن الاسرائيلي المتطرف، الذي حوّل معاناة الأسرى إلى مشروع انتقامي شخصي، يتفنن فيه بإجراءات قمعية غير مسبوقة، متنكّراً لكل القوانين والأعراف الإنسانية.
1-سجن “الدامون” نموذج للجريمة المنظمة
ما كشفته هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية مؤخراً عن الأوضاع في سجن “الدامون” ليس سوى غيض من فيض. فخلال شهر واحد فقط، تعرضت الأسيرات الفلسطينيات في هذا السجن لأكثر من عشر حملات قمع ممنهجة، تنوعت بين الضرب المبرح، والرش بغاز الفلفل الحارق، والتكبيل الوحشي لساعات طويلة. إنه ليس إجراءً أمنياً كما تدّعي إدارة السجون، بل انتقام ممنهج ورسالة قذرة تهدف إلى كسر إرادة الأسيرات وإذلال كرامتهن.
اللافت في هذه الانتهاكات أنها لا تستهدف الأسيرات فقط، بل تستهدف الرمز الذي يمثلنه، المرأة الفلسطينية المناضلة التي تتحدى الاحتلال بصبرها وصمودها. ولهذا فإن التنكيل بهن يحمل أبعاداً نفسية ومجتمعية عميقة، إذ يسعى الاحتلال من خلال إذلال النساء إلى ضرب النسيج الاجتماعي الفلسطيني برمته.
2-المتطرف بن غفير مهندس سياسة التعذيب
منذ تولي إيتمار بن غفير حقيبة وزير الأمن الاسرائيلي الداخلي، شهدت سجون الاحتلال نقلة نوعية في مستوى الانتهاكات. فهو ليس مجرد سياسي عنصري، بل إرهابي بقناع وزير، يحمل سجلاً طويلاً من التحريض والكراهية ضد الفلسطينيين؛ وقد جعل من “تحسين ظروف الأسرى” هدفاً معكوساً؛ فبدلاً من تحسينها كما تطالب الاتفاقيات الدولية، يسعى إلى تضييقها وتجفيف مصادر الصمود الفلسطيني في وجه الجلاد داخل سجون الاحتلال الاسرائيلي.
تحت إمرته، تحولت أقبية التحقيق إلى غرف تعذيب حديثة، وأصبح التجويع والحرمان من العلاج والزيارات العائلية أدوات عقاب روتينية. أما ما يحدث داخل الزنازين من إهانات و(اعتداءات جنسية)، وضرب جماعي، هو الصورة الأوضح لعقلية فاشية لا تعرف إلا لغة الجريمة؛ لقد جعل بن غفير من معاناة الأسرى مادة للدعاية الانتخابية لحزبه الفاشي، متباهياً بسياساته القمعية كأنها إنجازات وطنية.
3-صمت دولي متواطئ مع الاحتلال.
أمام هذا الكم الهائل من الانتهاكات الموثقة، يقف المجتمع الدولي صامتاً صمت القبور. اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي يفترض بها أن تكون حارسة اتفاقيات جنيف، تكتفي ببيانات خجولة لا تغني ولا تسمن من جوع؛ والأمم المتحدة، بمؤسساتها الحقوقية، تبدو عاجزة أو متواطئة أمام آلة القمع الصهيونية. هذا الصمت ليس حياداً، بل هو تواطؤ فعلي يمنح الاحتلال ضوءاً أخضر للتمادي في جرائمه في تعذيب الأسرى الفلسطينيين واهانتهم وتجويعهم.
إن تعذيب الأسرى الفلسطينيين، رجالاً ونساءً وحتى الأطفال تحت سن 18 عام، ليس مسألة فلسطينية داخلية، بل هو جريمة حرب مكتملة الأركان وفق القانون الدولي الإنساني. فالمادة 32 من اتفاقية جنيف الرابعة عام 1949, تحظر صراحة “أي إجراء من شأنه أن يسبب آلاماً بدنية أو معنوية للأشخاص المحميين”. غير أن الاحتلال، المدعوم أمريكياً وغربياً، يضع نفسه فوق القانون الدولي، ويتصرف كدولة مارقة لا تردعها عقوبات ولا تلجمها محاكم.
4-الأسيرات في الواجهة-نساء يصنعن المجد
ما يثير الإعجاب في خضم هذا المشهد الدامي هو الصمود الأسطوري للأسيرات الفلسطينيات؛ إنهن يواجهن التعذيب والضرب والإهانة بقلوب أشد صلابة من الصخر، محولات الزنازين إلى مدارس للنضال والكرامة. كل صرخة ألم منهن هي رسالة للعالم بأن الاحتلال إلى زوال، وأن الفلسطيني الاسير أو الأسيرة، رجلاً كان أم امرأة، لا يلين ولا ينكسر مهما بلغت وحشية الجلاد.
الأمر لا يتعلق فقط بالأسيرات في سجن “الدامون”، بل هو صورة مصغرة عن معاناة آلاف الأسرى والأسيرات في سجون الاحتلال كافة؛ ومع ذلك، يخرجون من تحت الركام أكثر صلابة وإيماناً بعدالة قضيتهم.
5- إلى متى يستمر العار وتعذيب الأسرى.
السؤال الاستشرافي الذي يطرح نفسه اليوم هو؛ إلى متى سيظل العالم الحر يتفرج على جرائم بن غفير وعصاباته من حكومتة الاحتلال الاسرائيلي التي شرعت وسمحت بهذا التعذيب؛ وإلى متى ستبقى زنازين الاحتلال بعيدة عن أعين المحاكم الدولية.
اخيراً يمكن القول،ان صرخة الأسيرات في الدامون ليست استغاثة شخصية، بل هي نداء لكل ضمير حي في هذا العالم الحر ،أن يتحرك لنصرة الحق والعدالة سيما وان وحده الضغط الشعبي الدولي، وحركات المقاطعة، والملاحقة القانونية لمجرمي الحرب، هي القادرة على إنهاء هذا النزيف الإنساني الخاص بملف الاسرى الفلسطينيين. أما الركون إلى البيانات الدبلوماسية الفارغة والاستنكار والإدانة،فلن يغير شيئاً في واقع الأسرى المرير داخل سجون الاحتلال الاسرائيلي. وكما قال الشاعر: “قف دون رأيك في الحياة مجاهداً… إن الحياة عقيدة وجهاد”. فهل من ملبٍّ لهذا النداء





