الرئيسيةحكايا في زمن الحرب

من بين الركام.. ممرض غزي يحوّل نقطة قرب “الخط الأصفر” إلى ملاذ للمرضى والمصابين

الخامسة للأنباء - غزة

إعداد سهر دهليز

في بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، حيث تتراجع الخدمات الطبية كلما اقترب السكان من “الخط الأصفر”. لا يملك المصاب رفاهية الانتظار الطويل، ولا يملك المريض طريقًا سهلًا إلى المستشفى. هناك، وسط منطقة أنهكتها الحرب وأثقلها الركام. قرر الممرض ناصر قمحان أن يقترب من الخطر بدلًا من أن ينتظر المرضى بعيدًا عنه.

أسفل منزلٍ تضرر جزئيًا، أنشأ قمحان نقطة طبية مجانية، وضع فيها ما يملك من خبرة وإمكانات. لتكون محطة أولى لإنقاذ المصابين والمرضى من أبناء بيت لاهيا. في منطقة يقول: “إن الوصول إليها أصبح بالغ الصعوبة بالنسبة لسيارات الإسعاف والمرافق الصحية”.

وأضاف: “لم يكن إنشاء النقطة مجرد مبادرة عابرة، بل جاء نتيجة حاجة يومية؛ فغياب المستشفيات والمؤسسات الصحية القريبة. وبعد وسائل الوصول إلى المناطق القريبة من “الخط الأصفر”، يجعلان وصول المصاب إلى الرعاية الطبية تحديًا قد تكون كلفته حياته”.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

وأكد قمحان إن الهدف الأساسي من إنشاء النقطة هو “تقديم الرعاية الصحية لأهلي وناسي في بيت لاهيا”. في ظل عدم وجود مستشفيات ومؤسسات صحية قريبة تستطيع استقبال الحالات الطارئة، خصوصًا أن سيارات الإسعاف لا تستطيع الوصول بسهولة إلى المناطق القريبة من الخط.

 إسعاف قبل وصول الإسعاف

في هذه المساحة الصغيرة، يبدأ قمحان معركة أخرى؛ فحين تصل الإصابة. لا يكون أمامه سوى تقديم الإسعافات الأولية والإجراء الطبي العاجل. إلى أن يتمكن المصاب من الوصول إلى سيارة الإسعاف ومن ثم إلى مكان يمكن نقله إليه.

وأشار قمحان إلى تتنوع الحالات التي تصل إلى النقطة، من إصابات ناجمة عن إطلاق النار والقصف والشظايا. إلى النزيف وإصابات الرأس والبطن والأطراف، فضلًا عن حالات العدوى والأزمات الصحية.

وقال: “في ساعات الليل، يصل الأطفال أيضًا وهم يعانون من ارتفاع درجات الحرارة والتشنجات. بينما تستقبل النقطة أطفالًا آخرين أصيبوا بسبب قطع الركام المتناثرة في المنطقة”.

وأضاف قمحان: “ولا تتوقف الحالات عند الإصابات الطارئة، تصلني الكثير من الحالات التي تحتاج إلى ما يسمى بالعمليات الصغرى. التي اتعامل معها بشكل مباشر دون انتظار ومنها حالات الدمامل والالتهابات التي تستدعي تدخلًا طبيًا”.

وتابع حديثه: “كل حالة تصل إلى النقطة تحمل معها حاجة إلى تدخل سريع. فيما تبقى المستشفيات بعيدة، وطريق الوصول إليها محفوفًا بالصعوبات و المخاطر”.

 نقطة طبية تحت النار

لكن المفارقة الأقسى أن المكان الذي يأتي إليه الناس طلبًا للأمان الطبي ليس آمنًا هو الآخر.

يعمل قمحان في نقطة تتعرض لإطلاق النار، فيما تنتشر الدبابات في محيط المنطقة. ويقول: “إن إطلاق النار العشوائي قد يصل إلى النقطة نفسها. بينما تقع إصابات في أشخاص كانوا يسيرون في الشوارع”.

وأوضح قمحان أنه رغم الرصاص يمكن أن يصل إلى المكان الذي اختاره لعلاج المرضى، يواصل عمله. مدفوعًا بما يراه من حاجة السكان إلى نقطة قريبة تقدم لهم الحد الأدنى من الرعاية في ظل الظروف القاسية التي يعيشونها.

فالمكان الذي يفترض أن يكون مساحة للعلاج. أصبح هو الآخر جزءًا من المشهد الخطر الذي يعيشه أهالي بيت لاهيا.

 “لوجه الله”

وأكد قمحان أنه لا يتقاضى مقابل ما يقدمه في النقطة الطبية. كما لا يملك تمويلًا ثابتًا لتوفير احتياجاتها.

وأشار إلى أن الأدوية والمستلزمات الطبية والضمادات والعلاجات تصل إليه من الأصدقاء والأقارب. وأحيانًا من أشخاص يحتفظون بمستلزمات طبية في منازلهم أو خيامهم، فيتبرعون بها للنقطة ليستفيد منها المرضى والمصابون.

وفي أوقات أخرى، يشتري قمحان احتياجات النقطة من ماله الخاص. مؤكدًا أن ما ينفقه يفعله “لوجه الله”.

وهكذا تستمر النقطة بما يتوفر من إمكانات محدودة. فيما يحاول صاحبها أن يوفر للمصاب ما يحتاجه في الدقائق التي تفصل بين وقوع الإصابة ووصول المساعدة الطبية.

 خبرة من قلب المستشفيات

وقال قمحان: “لم أبدأ عملي الطبي من هذه النقطة؛ فمنذ بداية الحرب، تطوعت للعمل في عدد من مستشفيات قطاع غزة، وتنقلت بين أقسام مختلفة. بينها أقسام العناية المركزة والعمليات”.

وأضاف: “تلك التجربة منحتني خبرة في التعامل مع الحالات الصعبة. لكن اليوم أمارس عملي في ظروف أكثر قسوة؛ لا جدران مستشفى تحميني، ولا تجهيزات طبية متكاملة. ولا طريق آمن أضمن فيها وصول المصاب إلى الرعاية المتخصصة”.

وشدد على أنه يحاول تقديم ما يستطيع بما هو متاح لديه. واضعًا خبرته في خدمة سكان المنطقة الذين يجدون أنفسهم في مواجهة الخطر والمرض في آن واحد.

 حين يصبح الركام مكانًا للحياة

وتابع حديثه: “في بيت لاهيا، لا تبدو النقطة الطبية مجرد مكان لتضميد الجروح. إنها محاولة صغيرة لردم فجوة تركها غياب المؤسسات الصحية في منطقة بات الوصول إلى العلاج فيها معركة بحد ذاتها”.

ويصف قمحان كل ضماد يضعه، وكل حالة يسعفها، وكل طفل يصل إليه في ساعات الليل. تختصر جزءًا من حكاية أكبر عن سكان يحاولون التمسك بالحياة وسط ظروف قاسية.

ومن أسفل منزلٍ أنهكته الحرب، وبين الركام والرصاص ونقص الأدوية والمستلزمات. يواصل ناصر قمحان فتح باب النقطة أمام من يحتاج إلى المساعدة.

لم يستطع أن يعيد المستشفيات إلى بيت لاهيا، ولم يستطع أن يجعل الطريق إلى العلاج آمنًا. لكنه اختار أن يقدم ما يستطيع في المكان الذي يعيش فيه.

وهكذا، في منطقة يطاردها الخطر من كل جانب، تحوّل الركام إلى نقطة إنقاذ. وتحول ممرض واحد إلى حلقة وصل بين المصاب والإسعاف، وبين الألم والنجاة؛ ليبقى ما يفعله قمحان شاهدًا على أن بعض محاولات إنقاذ الحياة تبدأ من أبسط الإمكانات. ومن شخص قرر ألا يقف متفرجًا أمام وجع أهله وناسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى