“نور وخالد”.. حين توثّق الدماء حكاية عائلة وصحافة لم تكتمل

الخامسة للأنباء - غزة
حكاية عائلة وصحافة لم تكتمل… أقمار الصحافة إعداد: آمنة غنام
في غزة، لا تُختصر الحكايات في قوائم الأرقام أو بيانات الشهداء، بل تمتد لتكشف خلف كل اسم عالماً كاملاً من الأحلام المؤجلة، والعائلات الصغيرة، والقصص التي كانت تبحث عن فرصة للحياة.
ومن بين تلك الحكايات الثقيلة، تبرز قصة الزوجين الصحفيين نور قنديل وزوجها خالد أبو سيف، اللذين جمعتهما المهنة كما جمعت بينهما الحياة، وانتهت رحلتهما مع طفلتهما في لحظة واحدة تحت نار الحرب.
نور قنديل
وُلدت نور زياد سالم قنديل في 4 سبتمبر 1998، في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة. حيث تشكّلت ملامح شخصيتها الأولى بين أزقة المدينة وصعوبات الواقع اليومي، منذ طفولتها. بدت ميّالة إلى المعرفة والتعبير، ما قادها لاحقاً إلى دراسة الإعلام.
لم تكن نور مجرد طالبة في تخصصها، بل حالة من الالتزام والطموح الأكاديمي؛ أنهت دراستها متفوقة. لتبدأ بعدها رحلة مهنية وإنسانية متصلة بالعمل الإعلامي والمجتمعي.
منذ عام 2017، انخرطت في العمل داخل فضاءات إعلامية شبابية، وكانت من الأسماء الفاعلة في مؤسسة مقهى “الثريا” للإعلام والاتصال. الذي شكّل مساحة لدعم الأصوات الصحفية الشابة.
عرفها محيطها بقدر عالٍ من الهدوء والدقة، وبقدرتها على صياغة محتوى إنساني ينقل معاناة الناس دون مبالغة أو تشويه، وبحس مهني جعلها أقرب إلى نبض الشارع الغزي.
خالد أبو سيف
في المدينة نفسها، وُلد خالد أحمد حسان أبو سيف في 10سبتمبر 1995، ونشأ في بيئة حملت في تفاصيلها اليومية الكثير من التحولات والوجع الفلسطيني المتكرر. ومنذ سنواته الأولى، تشكّل لديه شغف واضح بالصورة باعتبارها أداة توثيق وشهادة على ما يجري.
اتجه خالد إلى العمل الصحفي الفني، وتخصص في المونتاج والإخراج والإنتاج الإعلامي. كما عمل في إعداد الأفلام الوثائقية وتوثيق القصص الإنسانية في قطاع غزة، وعمل في شركة المنار، حيث كان يقف خلف الكاميرا لا أمامها. لكنه يشارك في صناعة الخبر بكل تفاصيله، كان يدمج الصوت بالصورة ليقدّم رواية بصرية للعالم عن غزة. في ظروف شديدة التعقيد والخطر.
حكاية عائلة وصحافة لم تكتمل.. ضاع الحلم
يقول محمد قنديل، إن شقيقته نور كانت نشيطة وشغوفة وطموحة، لا تكلّ ولا تملّ، وإضافة لعملها في التصوير الحر والمونتاج. كانت تعمل في قسم الإعلام والعلاقات العامة بمستشفى يافا في دير البلح حتى لحظة استشهادها.
وأشار إلى أن الزوجين رزقا بطفلتهما الوحيدة قبل ارتقائهم بأربعة أشهر، وسموها “أيلول السلام” لعلها تكون بشرى لسلام حلمت به غزة طويلًا.
ولفت قنديل أن نور وخالد كانا يُعدان لإطلاق مشروع إعلامي عبر منصات التواصل. لكن القصف الإسرائيلي لم يُمهلهما، واستُشهدا مع طفلتهما الصغيرة، ودفن معهما حلم لم يرَ النور.
وتابع قائلا:” عاشا معاً يحملان الحلم ذاته، ويقاسمان بعضهما تفاصيل المهنة وهمومها ومخاطرها. كانا يكتبان ويوثقان وينقلان الحقيقة جنباً إلى جنب، حتى جمعهما القدر في الشهادة كما جمعهما في الحياة”.
بيت صغير بات أطلال
جمع العمل الصحفي بين نور وخالد، وتحول هذا التقاطع المهني إلى حياة مشتركة، ثم إلى عائلة صغيرة وأنجبا طفلة شكّلت مركز عالمهما. ونافذة أمل وسط واقع ثقيل، وامتلأ بيتهما بأحلام مستقبل مهني أكثر استقراراً وطمأنينة، لكن الحرب كعادتها في غزة. لم تترك للأحلام وقتاً كي تنمو.
في 15 مايو2025، قبل ارتقائها بثلاثة أيام كتبت نور منشورًا على “انستغرام” قالت فيه:. “لو استُشهدت، أنا مش مجرد رقم، تمام؟ احكوا عني كثير، ووصّلوا صوتي وطموحي وحلمي بعدي.”
في فجر يوم الأحد 18 مايو 2025، تعرّض منزل العائلة لقصف مباشر. ليُسدل الستار على قصة الزوجين الصحفيين مع طفلتهما، ويرتقوا معاً في لحظة واحدة، تاركين خلفهم فراغاً لا يُقاس. ولأن حتى الموت في غزة بالجملة فقد ارتقى معهم في تلك الليلة الصحفي عبدالرحمن العبادلة والصحفي عزيز الحجار والصحفي أحمد الزيناتي.
لم يكن رحيل نور وخالد خبراً عابراً في الوسط الصحفي الفلسطيني. بل صدمة جديدة في سجل طويل من الاستهداف الذي يطال الصحفيين في غزة.
نُعيا بوصفهما زميلين في المهنة، وشريكين في الحياة، وقصة لم تكتمل كانت تحاول أن تمنح الحقيقة شكلاً وصوتاً.. رحلت نور التي حملت اسمها كأنها رسالة نور في واقع معتم، وغاب خالد الذي كان يرى العالم من خلف عدسة الكاميرا.
وبين الصورة والكلمة، بقيت قصتهما شاهداً على أن الصحفي في غزة لا يكتب الخبر فقط.. بل أصبح جزء منه.






















