مقالات الخامسة

هل ما زال الفلسطينيون ينتجون فكراً سياسياً؟

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: طاهر تيسير المصري

هو سؤال مقلق يصعب طرحه من دون تردد: هل ما زال الفلسطينيون ينتجون فكرا سياسيا، أم أنهم يعيشون منذ عقود على رصيد راكمته أجيال سابقة؟ وليس المقصود بالفكر السياسي كثرة التصريحات والبيانات، بل ذلك التفكير الذي يعيد تعريف الواقع، ويمنح الناس لغة جديدة لفهمه، ويعيد صياغة الأسئلة الملحّة: من نحن؟ ماذا نريد؟ ما معنى التحرير؟ وما الذي يبقى من المشروع الوطني حين تتغير الأرض والناس والعالم؟.

ربما لا نعاني اليوم من نقص في الكلام السياسي، بل من فائض فيه. هل كثرته دليل على حياة الفكر؟ أم أننا نعيد ترتيب الكلمات التي ورثناها مثل التحرير، المقاومة، الدولة، التسوية، العودة، الشرعية، الوحدة الوطنية؟ وهل يكفي أن تبقى المفردة حاضرة لكي يبقى معناها حيا؟.

في مرحلة سابقة، لم تكن فلسطين مجرد موضوع للسياسة، بل كانت مولّدة للأفكار. حولها نشأت مجلات ومراكز أبحاث، ودار نقاش حول الهزيمة والتحرر والمنفى والهوية. منذ قسطنطين زريق، الذي جعل من النكبة سؤالا يتجاوز الحزن إلى مساءلة أسبابها، مرورا بغسان كنفاني الذي لم يرَ الثقافة هامشا للمقاومة بل جزءا من بنيتها، وصولا إلى إدوارد سعيد الذي أعاد التفكير في الرواية والتمثيل والمنفى وعلاقة المعرفة بالقوة، كان ثمة إيمان بأن فهم ما يجري للفلسطيني شرط من شروط تغييره.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

وكان هشام شرابي يحفر في بنية المجتمع والسلطة والأبوية، وكأن التحرر لا يكتمل بزوال القهر الخارجي إذا بقيت أشكاله مستقرة في الداخل. أما فيصل حوراني فكتب من داخل التجربة الوطنية، مستعيدا إياها وناقدا لها، فيما واصل ماهر الشريف، من موقع الباحث والمؤرخ، الاشتغال على تاريخ الفكر السياسي الفلسطيني وتحولاته وأسئلته. وعلى اختلاف هؤلاء وغيرهم، جمع بينهم معنى أساسي؛ أن القضية لا تحتاج فقط إلى من يدافع عنها، بل إلى من يفكر فيها، ويراجع مساراتها، ويعيد طرح أسئلتها.

فما الذي حدث؟ كيف انتقلنا من زمن كانت فيه منظمة التحرير الفلسطينية والفصائل والجامعات والصحف وحتى المقاهي تنتج، إلى جانب السياسة، أفكارا ومفاهيم ونقاشات، إلى زمن يبدو فيه إنتاج الموقف أسرع كثيرا من إنتاج الفكرة؟ هل تغيرت السياسة، أم المثقف، أم الجمهور؟ ولماذا أصبح الخلاف أحيانا صراعا حول المواقع والولاءات أكثر منه بين تصورات مختلفة للمستقبل؟.

واللافت أن الاحتلال نفسه أدرك قوة الفكرة. لماذا استهدف كتّابا وباحثين ومثقفين، وتعامل مع مؤسسات ثقافية وبحثية بوصفها جزءا من ميدان الصراع؟ ما الذي يمكن أن تخشاه قوة عسكرية من رجل لم يحمل بندقية؟ أليس لأن الاحتلال لا يخشى فقط من يقاومه، بل أيضا من يفسره، ويمنح ما يحدث اسما، ويحول الوقائع المتناثرة إلى بنية مفهومة؟ وإذا كان الاحتلال قد رأى في الفكرة خطرا، فمتى بدأنا نحن نتعامل مع الفكر أحيانا باعتباره ترفا؟.

يقيناً، الاحتلال هو القوة الأشد تأثيرا في تشكيل الواقع الفلسطيني وتضييق فضائه السياسي والفكري؛ ومساءلة واقعنا الداخلي لا تعني إزاحة هذه الحقيقة أو تخفيف مسؤوليته. لكنها تفتح سؤالا آخر حول ما حلّ بالبيئة الفلسطينية التي يُفترض أن تنتج الفكر وتحمي حق الاختلاف. هل تحتمل الحياة السياسية اليوم مثقفا لا ينتمي بالكامل إلى معسكر؟ وهل يمكن نقد السلطة أو المعارضة أو أدوات العمل السياسي من دون تصنيف فوري؟ وإذا صار على المفكر أن يثبت ولاءه قبل أن يعرض فكرته، فما الذي يبقى من وظيفة الفكر؟.

ربما لم يختفِ المفكر الفلسطيني، بل ضعفت البيئة التي تمنحه أثرا. فالفكر يحتاج إلى مؤسسات تستقبله، وأحزاب تناقشه، وجامعات تحتمله، وجمهور يملك الصبر على فكرة لا تُختصر في شعار. وفي زمن السرعة ووسائل التواصل، هل أصبح المطلوب من المثقف أن يتخذ موقفا قبل أن يفكر، وأن يجيب قبل أن يكتمل السؤال؟.

 

ثم ماذا عن الجيل الجديد؟ هل ورث القضية أم ورث معها قاموساً جاهزا لفهمها؟ نطلب منه أن يؤمن بالتحرير والدولة والعودة والمقاومة، لكن هل نسأله ماذا تعني له هذه الكلمات؟ هل فلسطين التي يتخيلها من وُلد بعد أوسلو هي ذاتها التي تخيلها جيل النكبة أو جيل صعود منظمة التحرير؟ وإذا تغيرت التجربة، أليس طبيعيا أن تتغير اللغة التي تعبّر عنها؟.

والاحتلال، بما يفرضه من قتل وقهر واستيطان وتشريد وسيطرة، يظل السؤال الذي لا يمكن القفز فوقه. لكن مقاومته لا تلغي سؤالا ملازما لها: أي حرية نريد أن نبني؟ لقد اضطر الفلسطيني طويلا إلى الانشغال بالبقاء والمقاومة وانتزاع الحق، حتى بدا التفكير في اليوم التالي للتحرر ترفا أمام إلحاح الحاضر. لكن أليس تصور ذلك اليوم جزءا من فعل التحرر نفسه؟ أي مجتمع نريد؟ وما شكل العلاقة بين الفرد والدولة، وبين الداخل والشتات، وبين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية؟.

وربما يكون السؤال الأشد إرباكا: هل تعثّر الفكر لأن السياسة تعثّرت، أم أن السياسة فقدت قدرتها على التجدد لأن الفكر لم يعد قادرا على ابتكار أسئلته وأدواته؟ وهل تكمن أزمتنا في العجز عن تحقيق ما نريد، أم في تراجع قدرتنا على تصور ما نريد بناءه؟ لا يتعلق الأمر بتمجيد الماضي أو تقديس رموزه، من قسطنطين زريق إلى كنفاني وسعيد وشرابي وحوراني، وغيرهم، بل باستعادة جرأتهم على مساءلة واقعهم، وطرح أسئلة زماننا بلغته، بدل اجترار أجوبة زمنهم. ولعل السؤال اليوم ليس أين اختفى المفكر الفلسطيني، بل أين الأسئلة التي تولّد فكرا جديدا، قادرا على مراجعة مسلّماتنا، ومساءلة السلطة والمعارضة معا، وتحدي رواية الاحتلال، ودفع الفلسطيني إلى إعادة التفكير في واقعه ومستقبله؟.

وهل جفّ الفكر السياسي الفلسطيني فعلا، أم أن فكرا جديدا يتشكل بعيدا عن المؤسسات القديمة، بلغة لم نتعلم بعد كيف نصغي إليها؟ وإذا ظهر، هل سنعرفه، أم سنرفضه تحديدا لأنه لن يشبه ما اعتدنا أن نسميه فكرا فلسطينيا؟ قد لا تكون أزمتنا في غياب الأجوبة، بل في أننا لم نعد نجرؤ بما يكفي على طرح الأسئلة التي قد تغيّرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى