مقالات الخامسة

الدباغ: من الأزقة إلى القمة

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: د. ناصر العباسي

في إحدى الجلسات الرياضية التي جمعتني بالصديق الراحل إبراهيم نجم، توقف الحديث طويلًا عند مجموعة من المواهب الصاعدة في نادي الهلال المقدسي. يومها قال بثقة العارف بخبايا الكرة الهلالية: “هناك لاعب من أبناء النادي يملك مستقبلًا مختلفًا… عدي الدباغ، ولو مُنح الفرصة للعب خلف المهاجمين بدلًا من مركز الظهير الأيسر، فسيصبح لاعبًا استثنائيًا”.

في تلك الفترة كنت منشغلًا بتجربة المعسكر السلواني الذي كان يصارع في الدرجات الدنيا من أجل العودة إلى دوري الأضواء، لكن تلك الكلمات بقيت عالقة في الذهن، لأنها لم تكن انطباعًا عابرًا، بل قراءة فنية صادرة عن رجل يعرف تفاصيل اللاعبين ومسارات تطورهم.

لاحقًا، ومع اقترابي من تجربة نادي الهلال المقدسي مديرًا للأنشطة الكروية إلى جانب المدير الفني الدكتور خضر عبيد، بدأت الصورة تتضح أكثر. لم يعد الحديث عن موهبة عادية، بل عن مشروع لاعب هجومي يملك عقلية مختلفة، تجمع بين الإصرار والانضباط وسرعة التطور، وهي عناصر لا تتوفر بسهولة في لاعب شاب.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

كان الدباغ ضمن مجموعة مميزة من لاعبي الهلال، إلى جانب أسماء أخرى مثل الفيراوي وعبد الله وعبيد وأبو ميالة وغيرهم. هذه المجموعة أكدت أن الاستثمار الحقيقي في كرة القدم يبدأ من الفئات العمرية، وأن الأندية التي تمنح الوقت والصبر لمواهبها قادرة على صناعة لاعبين مؤثرين على المدى البعيد.

عدي، ابن حارة السعدية في القدس، الذي عاش أيضًا في بلدة الرام ولعب لفريق شباب الرام في بداياته، لم يكن مجرد لاعب موهوب، بل نموذجًا للاعب متكامل العناصر. امتلك بنية جسدية قوية، ومهارات فردية عالية، وجرأة في المواجهة، إلى جانب روح قتالية لا تهدأ، وتواضع واضح لم تغيّره النجومية.

في الهلال المقدسي، بدأ التحول الحقيقي في مسيرته بعد أن اتخذ المدرب خضر عبيد قرارًا جريئًا بتثبيته في مركز رأس الحربة. هذا التغيير لم يكن تفصيلًا تكتيكيًا فحسب، بل كان نقطة انعطاف حقيقية أعادت تشكيل هوية اللاعب داخل الملعب، وفتحت أمامه مسارًا مختلفًا تمامًا.

من هنا بدأت ملامح الحسم تظهر بوضوح، لينطلق لاحقًا نحو المنتخب الوطني الفلسطيني، حيث أصبح أحد أبرز عناصر “الفدائي”، وقدم مستويات لافتة جعلته من الأسماء المؤثرة هجوميًا على الساحة الدولية، ويصبح الهداف التاريخي للفدائي.

بعد ذلك، بدأت رحلة الاحتراف الخارجي، متنقلًا بين محطات متعددة في الكويت والبرتغال وبلجيكا واسكتلندا، قبل أن يصل إلى الدوري المصري، أحد أكثر الدوريات العربية تنافسًا وضغطًا جماهيريًا وإعلاميًا، حيث لا مجال للاختبار الطويل، بل لإثبات الذات سريعًا.

وفي محطة لافتة من مسيرته، تمكن الدباغ من فرض حضوره في واحدة من أبرز البطولات العربية، مسهمًا في تحقيق لقب الدوري المصري مع الزمالك في موسم استثنائي، وسط ضغوط مالية وإدارية كبيرة وتنافس قوي حتى الرمق الأخير، وقد برز تأثيره في لحظات حاسمة، عبر اقتناص هدف الدوري الذي لن تنساه جماهير الأبيض .

اليوم، لم يعد عدي الدباغ مجرد لاعب محترف، بل قصة صعود فلسطينية متكاملة، خرجت من أزقة القدس لتصل إلى منصات التتويج، وهي رحلة لاعب صنع نفسه خطوة بخطوة، وأثبت أن الموهبة حين تُصقل بالعمل والانضباط والإصرار، تتحول إلى مسيرة تُروى وتُلهم، لا مجرد أرقام في سجل المباريات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى