مقالات الخامسة

نقطة نظام قرار تاريخي يعيد تشكيل فهم الحرية النقابية في القانون الدولي للعمل

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: د. إسلام البياري

يعد الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن “الحق في الإضراب بموجب اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87” من أهم التطورات القضائية الدولية في مجال القانون الدولي منذ عقود، لأنه لا يقتصر على حسم خلاف تقني داخل منظمة العمل الدولية، بل يؤسس لتحول معياري عميق في فهم العلاقة بين الحرية النقابية والحقوق الجماعية للعمال.

فالمحكمة، ولأول مرة بهذا الوضوح، أقرت بأن الحق في الإضراب ليس حقاً مستقلاً خارج البنية الاتفاقية لمنظمة العمل الدولية، وإنما هو امتداد عضوي وجوهري للحرية النقابية ذاتها. وهذا الاستنتاج يحمل قيمة قانونية وسياسية استثنائية، لأنه ينهي عملياً محاولات فصل الحق في الإضراب عن اتفاقية رقم 87 بحجة أن نص الاتفاقية لا يذكر الإضراب صراحة.

إن الأهمية الحقيقية لهذا الرأي الاستشاري تكمن في ثلاثة مستويات مترابطة:

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

أولاً: على المستوى التفسيري، كرست المحكمة منهج التفسير التطوري للاتفاقيات الدولية، معتبرة أن حماية التنظيم النقابي تفقد معناها إذا جُرّد العمال من الوسيلة الجماعية الأساسية للدفاع عن مصالحهم. وهذا يعزز الاتجاه الذي تبنته لجنة الخبراء في منظمة العمل الدولية منذ عقود، ويمنح اجتهاداتها سنداً قضائياً دولياً غير مسبوق.

ثانياً: على المستوى المؤسسي، أعاد القرار الاعتبار لمنظومة الرقابة في منظمة العمل الدولية، بعد سنوات من التشكيك في صلاحية لجنة الخبراء لتفسير الاتفاقيات الدولية. ومن هذه الزاوية، فإن المحكمة لم تدافع فقط عن الحق في الإضراب، بل دافعت أيضاً عن استقرار النظام القانوني الدولي للعمل.

ثالثاً: على المستوى السياسي والحقوقي، يوفر القرار أداة ضغط قانونية وأخلاقية بيد النقابات والحركات العمالية في مواجهة التشريعات الوطنية التي تُفرغ الإضراب من مضمونه عبر القيود الإجرائية المبالغ بها أو التجريم المقنع أو التوسّع غير المبرر في مفهوم “الخدمات الأساسية”.

ومع ذلك، ورغم القيمة التاريخية للرأي الاستشاري، فإن القرار لا يخلو من نقاط ضعف تستحق النقد العلمي.

فالمحكمة اكتفت بإقرار الحماية القانونية للحق في الإضراب دون أن تضع معايير أكثر دقة وحداثة لضبط القيود المشروعة على هذا الحق. وكان من الممكن بل من الضروري أن تتوسع المحكمة في تحديد الضوابط الدولية التي تمنع إساءة استخدام مفهوم “النظام العام” أو “الأمن القومي” لتقييد الإضرابات، خاصة في الأنظمة التي تستخدم هذه المفاهيم بصورة فضفاضة لقمع العمل النقابي.

كما أن المحكمة لم تتناول بشكل كافٍ مسألة التناسب بين القيود المفروضة على الإضراب وبين جوهر الحق ذاته، وهي نقطة مركزية في الفقه الحقوقي المقارن وفي اجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وكان من الممكن أن ترسخ المحكمة اختباراً قانونياً واضحاً يقوم على:

– الشرعية.

– الضرورة.

– التناسب.

– وعدم المساس بالجوهر الأساسي للحق.

ومن المآخذ المهمة أيضاً أن المحكمة لم تفصل بما يكفي في التمييز بين القطاعات الحيوية فعلاً التي يجوز فيها تقييد الإضراب، وبين التوسع السياسي في تصنيف قطاعات واسعة باعتبارها “خدمات أساسية”. وهذا الفراغ قد يسمح لبعض الدول بالالتفاف على روح القرار.

كذلك، أغفل الرأي الاستشاري الإشارة المباشرة إلى التحولات الجديدة في سوق العمل العالمي، بما في ذلك:

– العمالة الرقمية،

– العمل عبر المنصات الإلكترونية،

-الاقتصاد غير المنظم،

– وسلاسل التوريد العابرة للحدود.

وكان من الممكن أن يشكل القرار فرصة تاريخية لتحديث المفهوم التقليدي للحرية النقابية بما يتلاءم مع التحولات البنيوية في الرأسمالية المعاصرة.

ومن زاوية قانونية دقيقة، يمكن القول إن المحكمة تبنت مقاربة حذرة أكثر من اللازم. فهي أكدت وجود الحماية، لكنها لم تحسم بشكل قاطع الطبيعة القانونية الدقيقة للحق في الإضراب: هل هو حق عرفي دولي؟ أم مبدأ عام من مبادئ القانون الدولي للعمل؟ أم حق مشتق حصراً من الاتفاقيات؟ وهذا الغموض قد يترك مجالاً لاستمرار بعض المنازعات التفسيرية مستقبلاً.

 

مع ذلك، يبقى القرار نقطة تحول تاريخية في القانون الدولي للعمل، لأنه نقل الحق في الإضراب من دائرة “الاجتهاد الفني” داخل منظمة العمل الدولية إلى مستوى الشرعية القضائية الدولية الصادرة عن أعلى هيئة قضائية في العالم.

لذلك أرى أن القيمة الأعمق لهذا القرار لا تكمن فقط في حماية الإضراب، بل في إعادة التوازن لفكرة العدالة الاجتماعية داخل النظام القانوني الدولي، في مواجهة النزعة المتصاعدة لإخضاع الحقوق الاجتماعية لمنطق السوق والاعتبارات الاقتصادية البحتة.

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى