تقاريرثابت

جيران الخيمة.. كيف أعادت الحرب تشكيل العلاقات الاجتماعية بين النازحين؟

الخامسة للأنباء - غزة

جيران الخيمة.. تقرير خاص : إعداد آمنة غنام 

لم يكن أحد يتوقع أن تتحول الخيام، التي أقيمت على عجل هربًا من القصف. إلى أحياء سكنية كاملة تنسج فيها حكايات جديدة من الجيرة والتكافل.

ففي قطاع غزة، حيث دفعت الحرب مئات آلاف الفلسطينيين إلى النزوح من مدنهم وأحيائهم. نشأت علاقات اجتماعية لم تصنعها سنوات الجوار، بل فرضتها قسوة الظروف ووحدة المصير.

ورغم أن الحرب فرّقت العائلات عن بيوتها. فإنها قربت بين أشخاص لم تجمعهم من قبل سوى الجغرافيا.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

ففي مخيمات النزوح، يعيش اليوم أشخاص ينحدرون من شمال قطاع غزة ومدينة غزة والمحافظة الوسطى وخان يونس ورفح. ولكل منهم عاداته وتقاليده ولهجته وأسلوب حياته.

ورغم هذا التنوع، نجحت الحياة اليومية في كسر الحواجز. لتنشأ بين جيران الخيام روابط إنسانية تجاوزت حدود المعرفة العابرة.

الجار للجار 

في الأيام الأولى للنزوح، انشغل الجميع بتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة. لكن مع مرور الوقت بدأت ملامح مجتمع جديد تتشكل.

أصبح الجار هو أول من يهب للمساعدة عند الحاجة، سواء بتوفير وجبة طعام، أو إحضار المياه، أو رعاية الأطفال، أو مساعدة كبار السن. أو الوقوف إلى جانب الأسر التي فقدت أحد أفرادها.

تقول رانيا أبو مغصيب_ النازحة في مواصي خانيونس_ للخامسة :” في كل مرة نزحنا فيها كان ما يؤلمنا في النزوح والانتقال هو ترك جيراننا الذين بنينا بينهم علاقات أخوية. فكنا ننصب الخيام غرباء، وحين يأتي وقت الرحيل نكون قد صرنا أصدقاء”.

أما أم مؤيد نصر فترى أن جيران الخيام يعرفون عن جيرانهم أكثر ما يعرف الأخ عن أخيه. فبحكم أنه لا يفصلهم سوى” قطعة قماش” بات كل جار يعرف ما يعانيه جاره دون سؤال.

وتتابع :” صدق من قال الجار للجار، خلال فترة المجاعة كان أبنائي يتضورون جوعا ولا أملك ما أسد جوعهم. فكان جيراني في المخيم يرسلون لي مما يتحصلون عليه من موقع الشاكوش من طحين وعدس وأرز. دون أن أطلب من أحدهم فالأحوال لا تخفى على أحد والكل يعلم بأحوال من حوله “.

تنوع اجتماعي 

ورغم أن سكان الخيام ينتمون إلى مناطق مختلفة. فإن التعايش اليومي كشف عن تنوع اجتماعي وثقافي داخل المجتمع الفلسطيني نفسه.

فهناك اختلافات في طرق إعداد الطعام، وأسلوب الضيافة، والعادات الأسرية. وحتى في بعض المفردات المستخدمة بين منطقة وأخرى.

إلا أن هذه الفروقات تحولت مع مرور الوقت إلى مساحة للتعارف وتبادل الخبرات. بدلًا من أن تكون سببًا للخلاف.

يقول نائل يونس :” في نزوحنا التقينا عشرات العائلات من مختلف أنحاء القطاع سمعنا كلمات تختلف في لهجتنا وضحكنا على تقاليد وجدناها غريبة عن أطباعنا. ولكن أيضاً شهدنا مروءة في المواقف العصيبة التي مررنا فيها جميعا”.

فلم تقتصر العلاقات الجديدة على تبادل الاحتياجات الأساسية، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية. ففي المناسبات يحرص الجيران على مشاركة ما يتوفر لديهم من طعام أو حلوى.

بينما يتكاتفون في مواجهة العواصف والأمطار التي تهدد الخيام. ويتقاسمون أدوات الطهي ومصادر الكهرباء والمياه. في مشهد يعكس مستوى عالياً من التضامن المجتمعي.

تحديات الجيرة المستحدثة 

لكن هذه الحياة المشتركة لم تخلُ من التحديات، فالاكتظاظ، وضيق المساحات، وغياب الخصوصية، واختلاف العادات اليومية. كلها عوامل قد تؤدي أحيانًا إلى خلافات بين السكان.

غير أن الحاجة إلى التعايش، وإدراك الجميع لوحدة المصير. جعلا الحوار والتفاهم الوسيلة الأكثر حضورًا لتجاوز هذه الإشكالات.

المعلمة بسمة منصور _ والتي تعمل في نقطة تعليمية_ تقول للخامسة :” بحكم عملي التقيت العديد من الطلاب والطالبات التي حولت الحرب الكثير منهم لنماذج غريبة عن ثقافة المجتمع الغزي. فأطفال تحولوا لمراهقين خلال الثلاث سنوات الأخيرة بات من الصعب كبح تصرفاتهم بسبب ظروف النزوح والأطباع التي اكتسبوها بحكم اختلاف الثقافات من منطقة لأخرى ومن عائلة لعائلة”.

فيما يرى الأخصائي الاجتماعي أحمد عامر أن الكوارث والأزمات الكبرى غالبًا ما تعيد تشكيل العلاقات الإنسانية. إذ تدفع الأفراد إلى إنشاء شبكات دعم اجتماعي جديدة تقوم على التعاون والثقة المتبادلة.

وأكد أن ما تشهده مخيمات النزوح في غزة يمثل نموذجًا واضحًا لقدرة المجتمع. على إنتاج أدوات للتكيف والصمود، رغم الظروف الإنسانية القاسية.

من جهتهم يأمل كثير من النازحين أن يعودوا قريبًا إلى منازلهم. لكنهم يؤكدون أن العلاقات التي وُلدت بين الخيام لن تنتهي بانتهاء النزوح.

فقد جمعتهم أيام طويلة من الخوف، وتقاسموا الطعام والماء. وساند بعضهم بعضًا في أصعب اللحظات، لتتحول الخيمة من مأوى مؤقت إلى مساحة أعادت تعريف معنى الجيرة.

وبين صفوف الخيام، ولدت قصص تضامن وصداقة ستبقى حاضرة في ذاكرة أصحابها..بوصفها أحد الوجوه الإنسانية التي برزت وسط واحدة من أقسى الأزمات التي عاشها قطاع غزة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى