حنين بارود..صحفية حملت الكاميرا وهموم عائلتها حتى لحظة استشهادها

الخامسة للأنباء - غزة
حنين بارود..أقمار الصحافة.. إعداد آمنة غنام
في غزة، لا يقتصر الموت على اقتناص الأرواح. بل يمتد ليبدد الأحلام ويترك خلفه حكايات يصعب على الكلمات أن تحتويها.
هكذا كانت قصة الصحفية حنين بارود، التي أمضت سنوات توثق بعدستها آلام الآخرين. بينما كانت الحرب تسرق منها أسرتها واحدًا تلو الآخر.
ففقدت والدها وأشقاءها الأربعة، وتحولت من ابنة وأخت وسند لعائلتها إلى معيلتها الوحيد، لكنها لم تترك الكاميرا ولم تتخلَّ عن رسالتها.
واصلت العمل بين الركام ومراكز الإيواء، حتى جاء اليوم الذي توقفت فيه عدستها إلى الأبد، بعدما استشهدت أثناء أداء واجبها المهني. لتصبح هي نفسها واحدة من القصص التي كانت ترويها للعالم.
من مخيم الشاطئ بدأت الحكاية
ولدت حنين محمود سلمان بارود في التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1994 في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، ونشأت وسط أسرة عُرفت بخدمة المجتمع والعمل الإغاثي.
ورغم أنها بدأت مسيرتها الأكاديمية بدراسة التحاليل الطبية، فإن شغفها بالإعلام كان أقوى من أي تخصص آخر، فغيّرت مسارها الدراسي. والتحقت بكلية الإعلام، لتحصل على درجة البكالوريوس ثم الماجستير في الصحافة. وتصل إلى مرحلة الدكتوراه، ولم يكن يفصلها عن مناقشة رسالتها سوى عشرة أيام قبل استشهادها.
عدسة لا تغيب عن الميدان
لم يكن العمل الصحفي بالنسبة لحنين مجرد مهنة، بل رسالة آمنت بها منذ سنوات. برز اسمها خلال تغطية مسيرات العودة ، حيث تميزت في التصوير الفوتوغرافي وتصوير الفيديو والمونتاج. ولم تغب عن فعاليات المسيرات رغم تعرضها لإصابتين أثناء العمل الميداني.
عملت لاحقًا في مؤسسة القدس، وكرّست معظم إنتاجها الإعلامي لتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية بحق مدينة القدس والمسجد الأقصى. قبل أن تواصل عملها خلال الحرب ضمن لجنة طوارئ مخيم الشاطئ، إلى جانب والدها الدكتور محمود بارود.
“روحها حلوة وطموحة”
تلقت والدة حنين خبر استشهاد ابنتها كما تلقت أخبار استشهاد أبنائها الأربعة من قبل..ورغم قسوة الفقد، ودعت ابنتها بالزغاريد. مرددة كلمات تختصر إيمان أم فلسطينية فقدت خمسة من أبنائها:”الحمد لله رب العالمين.. الله اصطفاهم شهداء..صار عندي خمسة شهداء. وعندي ضل ثلاث بنات، والمعيل هو رب العالمين، وإن شاء الله يكون سندًا لهن.”
وتضيف الأم، التي باتت تعرف بين أهل المخيم بـ”أم الشهداء”: “الفراق صعب، لكن الإنسان يتحمل. هذه أرض الرباط، وأرض القدس والأقصى، ونسأل الله أن يربط على قلوب الأمهات.”
أما صديقتها إسراء العرعير لفتت إلى أن حنين كانت إنسانة طموحة ومبدعة، أحبت عملها إلى درجة أنها تركت تخصصها الطبي من أجل الإعلام، وتمكنت خلال سنوات قليلة من إثبات حضورها بفضل اجتهادها وتفانيها.
حرب أخذت منها كل شيء
مع اندلاع الحرب على غزة، بدأت حياة حنين تتحول إلى سلسلة متواصلة من الفقد.
تنقلت مع عائلتها بين مراكز الإيواء ومناطق النزوح، وعاشت الجوع والعطش والتشرد، لكنها لم تتخلَّ عن كاميرتها ولا عن رسالتها الإعلامية.
استشهد شقيقها محمد أثناء محاولته إنقاذ مصابين استهدفهم الاحتلال، ثم لحق به شقيقها مالك، الذي كان المساعد الأكبر لوالده في العمل الإغاثي داخل لجنة طوارئ الشاطئ.
ولم تمضِ فترة طويلة حتى استشهد الشقيقان مؤمن وأحمد خلال قصف استهدف المسجد الأبيض في مخيم الشاطئ أثناء أداء صلاة الظهر، في مجزرة راح ضحيتها اثنان وعشرون مصليًا.
أما والدها، الدكتور محمود بارود، فقد فُقد أثناء عمله الإغاثي، وظلت العائلة تجهل مصيره لأشهر، إلى أن أُعلن استشهاده في السادس من مارس/آذار 2025.
بعد فقدان والدها وإخوتها الأربعة، أصبحت حنين المعيل الوحيد لوالدتها وشقيقاتها الثلاث. كانت تعمل في لجنة الطوارئ، وتشارك في تغطية الأوضاع داخل مراكز الإيواء، إلى جانب دعم المبادرات الإنسانية ومساعدة النازحين، بينما تحاول في الوقت ذاته التخفيف عن والدتها التي أثقلها الحزن.
أصبحت هي الخبر
في السابع والعشرين من أكتوبر 2024، كانت حنين تؤدي عملها داخل مدرسة أسماء في مخيم الشاطئ، حيث كانت تتابع أوضاع النازحين وتوثق الأحداث ضمن لجنة الطوارئ.
لكن غارة إسرائيلية استهدفت المدرسة، لتستشهد حنين برفقة صحفيين آخرين، وتنتهي رحلة إعلامية امتدت سنوات في لحظة واحدة.
رحلت وهي لا تزال تنتظر مناقشة رسالة الدكتوراه التي أفنت سنوات في إعدادها، بعدما كرست حياتها للصحافة الميدانية والعمل الإنساني.
عرض هذا المنشور على Instagram













