مقالات الخامسة

حين يبدأ الاحتلال بدفع الثمن …

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: يونس العموري

ماذا لو كانت اوروبا قد بدأت اخيرا تستيقظ؟ وماذا لو لم تكن العقوبات التي بدأت تفرضها دول اوروبية على منتجات المستوطنات، والاجراءات التي اتخذتها بريطانيا وفرنسا وكندا، مجرد تحول في الموقف السياسي، بل واحدة من النتائج المتأخرة لصمود فلسطيني طويل في مواجهة آلة قتل وتدمير لم تتوقف؟ ماذا لو كان ما يحدث اليوم في عواصم اوروبا وشوارعها وجامعاتها وبرلماناتها هو، في جانب اساسي منه، ثمرة صورة فلسطينية لم تستطع آلة الحرب الاسرائيلية محوها، بل حولتها، رغم كل الدم والخراب، الى قضية حاضرة في الضمير الشعبي الغربي؟

لا ينبغي ان ننظر الى المشهد من نهايته فقط. فالدول التي بدأت اليوم تتحدث عن عقوبات على الاستيطان لم تستيقظ ذات صباح مكتشفة ان الاحتلال غير قانوني، ولا اكتشفت فجأة ان المستوطنات ليست جزءا من اسرائيل. هذه الحقائق كانت معروفة منذ عقود. الجديد هو ان شيئا ما تغير في الطريق الى هذه العواصم. تغيرت الصورة. تغيرت اللغة. تغيرت اسئلة الشعوب. وتغيرت المسافة بين ما تراه الحكومات وما تراه المجتمعات.

لقد صمد الشعب الفلسطيني في وجه ما كان يفترض، وفقا لمنطق القوة، ان يكون كافيا لسحق ارادته. قتل وتدمير وتجويع وتهجير واستيطان ومصادرة ارض وعنف مستوطنين، ومع ذلك بقيت فلسطين حاضرة. لم تسقط القضية مع سقوط البيوت، ولم تختف الهوية تحت الركام، ولم تنجح آلة الحرب في تحويل الضحية الى هامش في الصورة. بل حدث العكس تماما .. كلما اتسعت مساحة الخراب، اتسعت معها مساحة السؤال في العالم .. كيف يمكن ان يستمر هذا كله بلا ثمن؟

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

وهنا تكمن المفارقة الكبرى. اسرائيل التي اعتادت لعقود ان تخوض المعركة على الارض وتربح كثيرا من معركة الصورة، بدأت تخسر معركة الصورة نفسها. لم تعد روايتها وحدها تصل الى الجامعات الغربية، ولا الى الشوارع، ولا الى النقابات، ولا الى قطاعات واسعة من الرأي العام. لقد خرجت فلسطين من حدود الجغرافيا الى المجال العام الغربي، وصارت المظاهرات والاحتجاجات والجامعات وحملات المقاطعة جزءا من الضغط الذي لم يعد بوسع الحكومات تجاهله بسهولة.

ومن هنا فقط يمكن فهم هذه اللحظة. اثنتا عشرة دولة، بينها بريطانيا وفرنسا وكندا، اتجهت الى فرض قيود على التجارة مع المستوطنات، فيما انضمت دول اوروبية اخرى الى الموقف او اعلنت استعدادها لاتخاذ اجراءات مماثلة. صحيح ان الاثر الاقتصادي المباشر لهذه العقوبات قد لا يكون ضخما، لكن قيمتها السياسية اكبر من قيمتها التجارية: الاستيطان الذي كان يدان في البيانات بدأ يدخل، ولو متأخرا، في خانة الكلفة السياسية.

والاهم ان بريطانيا ذهبت ابعد من مجرد مقاطعة منتجات المستوطنات، حين وصفت الاحتلال بأنه غير قانوني، واتهمت سياسات المستوطنين بأنها وصلت الى حد التطهير العرقي، وفرضت اجراءات على افراد وكيانات مرتبطة بالتوسع الاستيطاني. ثم جاء الرد الاسرائيلي غاضبا الى حد المطالبة بإغلاق القنصلية البريطانية في شرقي القدس واتخاذ اجراءات ضد مسؤولين وشخصيات بريطانية.

وهنا ينبغي ان نتوقف قليلا. لماذا كل هذا الغضب الاسرائيلي؟ لان المسألة لم تعد مجرد صندوق بندورة او منتج زراعي خرج من مستوطنة. المسألة ان اللغة نفسها بدأت تتغير. اسرائيل التي اعتادت ان تسمع من حلفائها الغربيين عبارات القلق، والتحفظ، والدعوة الى ضبط النفس، بدأت تسمع كلمات مختلفة .. احتلال غير قانوني، استيطان غير شرعي، عقوبات، حظر تجارة، ومساءلة. والاكثر خطورة بالنسبة اليها ان هذه اللغة لم تعد محصورة في قاعات الدبلوماسية، بل صارت مدفوعة من صحوة شعبية غربية سبقت حكوماتها في رؤية ما يحدث.

لكن ثمة حقيقة اخرى ينبغي الا نسمح بتضييعها وسط كل هذا الضجيج: الحكومة الاسرائيلية ليست بريئة من ارهاب المستوطنين في الضفة الغربية. ليست شاهدا محايدا عليه، ولا سلطة عاجزة عن وقفه، ولا حكومة تقف في المنتصف بين مستوطنين منفلتين وضحاياهم. الدولة شريكة في المشروع، والحكومة شريكة في الجريمة، والجيش هو القوة التي توفر الحماية للمستوطنين حين يهاجمون القرى والاراضي والمزارعين، فيما يملك داخل الحكومة نفسها وزراء وقادة مشروعهم السياسي قائم على الاستيطان والضم والتوسع.

فماذا يعني وجود وزراء مثل بن غفير وسموتريش في الحكومة الاسرائيلية؟ وماذا يعني ان يصبح الخطاب الذي كان يوصف يوما بأنه هامشي ومتطرف جزءا من القرار الحكومي نفسه؟ وماذا يعني ان يتحول المستوطن، في كثير من الحالات، من خارج على القانون الى طرف تحميه الدولة، ويجد من يدافع عنه داخل الكنيست والحكومة، بينما يصبح صاحب الارض هو المطلوب منه ان يثبت حقه في البقاء على ارضه؟

لهذا فإن الحديث عن (عنف المستوطنين ) وحده قد يكون تضليلا غير مقصود. فالمستوطن ليس ظاهرة منفصلة عن الدولة. الاستيطان مشروع دولة، والاستيلاء على الارض سياسة دولة، وحماية المستوطنين في اعتداءاتهم سياسة دولة، والجيش الذي يقف بين المستوطن وضحيته ليس جيشا محايدا في هذه المعادلة. وفي كثير من المشاهد لا تكون وظيفة الاحتلال فقط حماية المستوطن، بل حماية مشروعه في السيطرة على الارض.

ولا يتوقف الامر عند الرصاص والحرق والاعتداء ومصادرة الارض. هناك حرب اخرى اقل صخبا، لكنها لا تقل خطورة .. حرب جعل الحياة نفسها اكثر صعوبة، واكثر كلفة، واكثر اختناقا، حتى يصبح الرحيل في لحظة ما خيارا يبدو للبعض اقل قسوة من البقاء.

ان قرصنة اموال المقاصة الفلسطينية، خنق الاقتصاد، مصادرة الاراضي، الحواجز، هدم المنازل، توسيع المستوطنات، التضييق على الزراعة، تقييد الحركة، وتقطيع الجغرافيا، ليست ملفات منفصلة. إنها حلقات في سياسة واحدة .. صناعة واقع طارد للحياة، في الضفة كما في غزة، وفي القدس كما في سائر الارض المحتلة.

وفي غزة، لم تعد المسألة مجرد تدمير عمران او بنى تحتية. حين يجري تدمير مقومات الحياة نفسها، وحين يصبح الماء والغذاء والمسكن والطب والتعليم والكهرباء عناصر في معادلة الحرب، فإننا نكون امام محاولة لضرب قدرة المجتمع على الاستمرار. وفي الضفة، تأخذ السياسة شكلا اكثر هدوءا واقل صخبا .. تضييق على الحياة، دفع اقتصادي، استيطان، عنف، مصادرة، حواجز، ومزيد من الخوف، بحيث يصبح التهجير احيانا بلا شاحنات ولا اوامر ترحيل. يكفي ان تجعل الحياة مستحيلة حتى يصبح الرحيل نتيجة متوقعة… وبالتالي نصبح امام سياسات خلق المناخات الطاردة للحياة واستحالتها .. وهذه هي (سياسات التهجير الناعمة ) التي ينبغي للعالم ان يتوقف عندها. فالتهجير لا يحتاج دائما الى طائرات تقصف او جنود يحملون قوائم اسماء. احيانا يكفي ان تحاصر المكان حتى يضيق، وان تخنق الاقتصاد حتى ينهار، وان تجعل الارض خطرة، وان تجعل المستقبل غائما، وان تدفع صاحب الارض الى السؤال .. هل استطيع ان اعيش هنا؟

وهنا ربما تكون المفارقة الاكثر مرارة .. الفلسطيني الذي لم يملك طائرات ولا دبابات ولا جيوشا ولا اساطيل، استطاع بالصمود ان يغير شيئا في معادلة الصورة، فيما كانت عواصم عربية تملك من الكلام اكثر مما تملك من الفعل.

لقد صمد الفلسطيني، فبدأت الصورة تتغير. وتغيرت الصورة، فبدأت الشعوب الغربية تضغط. وضغطت الشعوب، فبدأت بعض الحكومات تتحرك. وعندما بدأت الحكومات تتحرك، اكتشفت اسرائيل ان ما كانت تعتبره حقا مكتسبا في علاقاتها مع الغرب لم يعد محصنا كما كان. وهذا هو الجانب الذي لا ينبغي لنا ان نغفله ونحن نقرأ هذه اللحظة. فما يحدث ليس منحة اوروبية للفلسطينيين، وليس صحوة ضمير مفاجئة لدى الحكومات. إنه، قبل كل شيء، واحد من الاثمان التي بدأت تفرضها مقاومة الشعب الفلسطيني وصموده على صورة الاحتلال في العالم. إن بقاء الفلسطيني واقفا، وبقاء القضية حية، وبقاء المشهد الفلسطيني حاضرا رغم كل ما تعرض له، هو الذي جعل من المستحيل على كثير من الشعوب الغربية ان تواصل النظر الى ما يجري باعتباره مجرد (نزاع ) بين طرفين متساويين…

لكن المفارقة الاكثر قسوة ان الشعوب الغربية التي لم تكن القضية الفلسطينية قضيتها الوطنية، والتي لا تربطها بفلسطين لا جغرافيا ولا تاريخا ولا دما، كانت اكثر قدرة على الضغط على حكوماتها من قدرة المجتمعات العربية على دفع حكوماتها الى خطوة واحدة ترتقي الى حجم اللحظة. في شوارع لندن وباريس ومدريد وبرلين خرجت الاصوات، وفي الجامعات والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني ارتفع الضغط، حتى وجدت حكومات غربية نفسها مضطرة الى اعادة النظر في مواقفها. اما في العالم العربي، حيث فلسطين ليست قضية بعيدة ولا خبرا يأتي من وراء البحار، وحيث الدم الفلسطيني ليس خبرا عابرا في نشرات الاخبار، فقد بقيت الحكومات العربية، في معظمها، اسيرة البيانات والادانات والقلق والاستنكار، وكأن ما يجري لا يستحق اكثر من ذلك. لم نر حتى الآن من هذه الحكومات ما يوازي حجم الجريمة او يرقى الى مستوى اللحظة، لا طرد سفراء الاحتلال، ولا عقوبات سياسية واقتصادية حقيقية، ولا قطيعة مع حكومة تمضي في قتل الفلسطيني وتهجيره ومصادرة ارضه، وكأن العلاقة مع دولة الاحتلال صارت اهم من كرامة الموقف العربي نفسه. وهنا يصبح السؤال اكثر مرارة.. كيف استطاعت الشعوب الغربية ان تدفع حكوماتها الى التحرك، بينما عجزت المجتمعات العربية عن دفع حكوماتها حتى الى الحد الادنى من الفعل؟ وكيف اصبح المواطن الغربي اكثر غضبا من حكومته تجاه ما يجري في فلسطين، فيما يبدو بعض الحكام العرب وكأنهم ينتظرون من الغرب ان يقوم عنهم بما يفترض ان يقوموا هم به؟ هذه ليست مقارنة بين شعبين، بقدر ما هي ادانة لعجز سياسي واخلاقي عربي طال اكثر مما ينبغي.لقد خرجت فلسطين من تحت الركام الى الشوارع. خرجت من غزة الى جامعات لندن وباريس وبرلين ومدريد. خرجت من صور الضحايا الى ساحات الاحتجاج. خرجت من البيانات الفلسطينية الى ضمير قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية. وهذه الصحوة الشعبية هي التي جعلت الحكومات، التي كانت لسنوات طويلة تحسب حسابا لعلاقاتها مع اسرائيل، مضطرة الى اعادة حساباتها. لقد صمد الفلسطيني، فتكلمت الشعوب. وتكلمت الشعوب، فاضطرت الحكومات الى الحركة.

وهذه ليست لحظة للاحتفال. إنها لحظة للتأمل. لأن العقوبات على المستوطنات، مهما كانت مهمة، لا تعيد بيتا هدم، ولا تعيد شهيدا الى امه، ولا تعيد ارضا صودرت، ولا توقف وحدها مشروعا استعماريا كاملا. لكنها تقول شيئا بالغ الاهمية .. الاحتلال الذي عاش طويلا بلا ثمن، بدأ يدفع ثمنا.

والسؤال الذي يجب ان نطرحه الآن ليس .. ماذا فعلت اوروبا للفلسطينيين؟ السؤال الحقيقي هو .. ماذا فعل الفلسطينيون حتى وصلت فلسطين الى هذه اللحظة؟ وماذا سنفعل نحن بهذه اللحظة قبل ان تضيع؟ فقد يكون اخطر ما في هذه اللحظة ان يكتفي البعض بالتصفيق لها. المطلوب ليس ان نشكر اوروبا ثم نعود الى مقاعد الانتظار. المطلوب ان نفهم ان صمود الشعب الفلسطيني صنع نافذة سياسية نادرة، وان هذه النافذة لن تبقى مفتوحة الى الابد.

واذا كانت اوروبا قد بدأت تدرك ان الاحتلال له ثمن، فعلينا نحن ان ندرك ان الصمود وحده، مهما كان عظيما، يحتاج الى من يحوله الى فعل سياسي. الشعوب الغربية بدأت تقول كلمتها، وبعض الحكومات بدأت تلحق بها، واسرائيل بدأت تشعر بأن صورتها القديمة لم تعد محصنة كما كانت. فهل نكون نحن ايضا على مستوى اللحظة؟ ام نعود مرة اخرى الى بيانات الشجب، والقلق، والاستنكار، وانتظار ان يقوم العالم بما عجزنا نحن عن القيام به؟ هذه المرة لا يبدو السؤال موجها الى اوروبا. إنه سؤالنا نحن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى