تقاريرثابت

حين يصبح علاج الأسنان رفاهية.. نقص المستلزمات يهدد عيادات غزة ويدفع المرضى نحو المسكنات

الخامسة للأنباء - غزة

تقرير خاص .. إعداد آمنة غنام

في غزة، لم يعد ألم الأسنان مجرد وجع عابر يمكن احتماله أو علاجه بزيارة اعتيادية إلى عيادة الطبيب. بل تحول إلى معاناة تتفاقم مع تراجع الخدمات الصحية ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية.

فبين عيادات خرجت عن الخدمة، وأدوية ومسكنات يصعب توفيرها. يجد آلاف المرضى أنفسهم أمام خيار مؤلم: التعايش مع الألم أو البحث عن أي وسيلة متاحة لتخفيفه.

ومع استمرار تدهور منظومة الرعاية الصحية، تتسع دائرة المشكلات المرتبطة بصحة الفم والأسنان. لتطال الأطفال والبالغين على حد سواء، فيما تصبح الحالات التي يمكن علاجها في الظروف الطبيعية أكثر تعقيدًا وتأخيرًا.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

فتنوعت معاناة المرضى من أحدهم الذي أعطاه طبيب “بنج عمليات” ليصاب بتسمم ومضاعفات اضطرته للبقاء في المستشفى، وآخر الذي انتهى مفعول البنج قبل انتهاء عملية جراحية في فكه مما أدى لآلام مبرحة اضطرت الطبيب لوقف العملية .

وثالث اكتفى بالمسكنات القوية لوقف آلام أسنانه بشكل مؤقت نظراً لارتفاع أسعار حشوات الأعصاب في العيادات الخاصة. وعدم توافرها في المستشفيات الحكومية إلا بشكل شحيح جدا.

واقع طب الأسنان في غزة

في هذا السياق قالت عضو مجلس نقابة أطباء الأسنان، الطبيبة سهير محمود إن النقص الحاد أو انعدام مواد الأسنان في قطاع غزة ترك تأثيرًا سلبيًا وملموسًا على الأطباء والمرضى. موضحة أن المريض يعاني من آلام شديدة ولا يجد العلاج المناسب أو الخدمة والكفاءة المطلوبة.

وأضافت أن معامل الأسنان تعاني أيضًا من نقص في مواد أخذ القياسات والجبس الحراري المستخدم في صناعة التلبيسات الثابتة، إلى جانب مواد التركيبات المتحركة. ما أدى إلى توقف أطباء الأسنان عن تقديم أعمال التعويضات، وإن توفرت بعض الخدمات فإنها تكون بأسعار باهظة جدًا.

وأوضحت د.سهير في حديثها لـ“الخامسة للأنباء” أن من أبرز المواد المفقودة حاليًا البنج الموضعي (Local Anesthesia)، وهو أساس العمل داخل عيادة الأسنان. إلى جانب مواد الحشوات التجميلية، ومنها  Composite وBond وEtching، والحشوات العادية مثل Glass Ionomer، والحشوات المؤقتة Temporary Filling.

كما أشارت إلى وجود عجز في مواد حشوات العصب المستخدمة في علاج جذور الأسنان (Root Canal Treatment)، ومن بينها Paper Point وGutta-percha وEugenol. إضافة إلى مواد حشوات عصب الأطفال.

وأكدت أن هناك عجزًا عامًا في جميع هذه المواد، وهي من أساسيات العمل داخل العيادة. مشيرة إلى أن غيابها يؤدي إلى عجز الطبيب عن تقديم الخدمة السنية المناسبة للمريض.

نقص البنج يعيق العلاج

وفيما يتعلق بنقص البنج، قالت د.سهير إن البنج هو أساس العلاج، موضحة: لا بنج، بالتالي لا عمل، إذ لا يمكن للمريض تحمل ألم الخلع أو علاج العصب من دون تخدير.

وأوضحت أنه في ظل نقص البنج المخصص للأسنان، كان الحل المتوفر هو استخدام فيلات البنج (Lidocaine) المستخدمة في المستشفيات. مشيرة إلى أنها تختلف في تركيبها وتركيزها عن البنج الخاص بالأسنان، وقد تكون مؤلمة نوعًا ما، مع إضافة Adrenaline عند توفره لتخفيف الألم، مؤكدة أن هذه البدائل لا توجد خطورة من استخدامها، لكنها لا تعطي المفعول نفسه الذي يعطيه البنج المخصص للأسنان.

نقص الحشوات يهدد استمرارية العلاج

وأوضحت د.سهير أن فقدان مواد الحشوات أدى إلى إغلاق بعض العيادات. أو دفع الأطباء إلى شرائها من السوق السوداء بأسعار مرتفعة، وهو ما يؤدي بدوره إلى رفع تكلفة العلاج على المريض.

وأضافت أن ذلك يمثل معاناة أخرى في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها أبناء القطاع. مشيرة إلى أنه في حال عدم قدرة الطبيب على توفير المواد أو عدم قدرة المريض على تحمل تكلفة العلاج، فإن ذلك ينعكس سلبًا على حالة الضرس.

وقالت إن الطبيب قد يضطر في بعض الحالات إلى علاج الضرس بشكل جزئي بهدف تخفيف الألم، وهو ما قد يؤدي مع الوقت إلى فقدان الضرس. أو قد يضطر إلى خلعه بدلًا من علاجه، ووصفت ذلك بأنه كارثة أخرى.

وحذرت من أن استمرار الوضع على ما هو عليه قد يدفع جميع الأطباء إلى اللجوء إلى خلع الأسنان، قائلة: “هذا ما نخشاه، وإن ظل الوضع على ما هو عليه. فسوف يلجأ كل الأطباء إلى الخلع للأسف، لأنه لا يوجد حل آخر.”

أزمة التركيبات والتلبيسات

وفيما يتعلق بالتركيبات، أوضحت أنها متوفرة بشكل قليل جدًا، وإن وجدت فإنها تكون بأسعار مرتفعة جدًا. بسبب النقص العام في مواد أخذ القياسات والمواد المستخدمة في صب وتجهيز وتشكيل الأسنان داخل المختبر.

وأضافت أن صعوبة توفير الكهرباء لهذه المختبرات أو ارتفاع تكلفتها يؤدي أيضًا إلى ارتفاع أسعار التركيبات على المرضى.

وأشارت د.سهير  إلى أن المرضى يضطرون إلى تأجيل التلبيسات والتركيبات، على أمل فتح المعابر والسماح بدخول مواد الأسنان.

وقالت إن ترك الضرس الذي عولج عصبه مسبقًا من دون تلبيس قد يؤدي مع الوقت إلى ضعفه وكسره، وبالتالي فقدانه.

أما بالنسبة إلى كبار السن الذين يحتاجون إلى التركيبات المتحركة، فأوضحت أنهم لا يتمكنون من الحصول عليها بسبب العجز في المواد أو ارتفاع أسعارها. مشيرة إلى أن ذلك قد يؤدي إلى مضاعفات، منها ضمور عظم الفك وسوء الهضم والإمساك.

مخاطر استخدام المواد البديلة

وحول استخدام مواد بديلة لا تستوفي المواصفات المطلوبة. قالت د.سهير إن ذلك قد يؤدي إلى عدم الوصول إلى النتائج المطلوبة، وقد يتسبب في فشل العلاج والحاجة إلى إعادته، أو إلى فقدان الضرس.

وأكدت أن أي تجاوز في أي خطوة من خطوات العلاج قد يؤدي إلى مضاعفات سلبية والتهابات لدى المرضى.

وفي ذات الجانب نوهت إلى المجاعة التي عاشها سكان قطاع غزة. وهندسة التجويع الذي كان ومازال يمارسها الاحتلال على سكان القطاع أدت إلى تأثر سكان القطاع بشكل كبير نظرًا لغياب القيمة الغذائية اللازمة للحفاظ على صحة الأسنان.

ما يحتاجه قطاع طب الأسنان

وأكدت د.سهير أن جميع المواد سابقة الذكر ضرورية وعاجلة. وأن أي عيادة لا تستطيع العمل من دونها، وفي مقدمتها البنج، والحشوات بأنواعها، ومواد أخذ القياسات الخاصة بالتعويضات.

وأضافت أن مختبرات الأسنان أيضًا لا تستطيع العمل من دون المواد اللازمة للتعويضات الثابتة والمتحركة.

وأشارت إلى وجود عجز كذلك في مواد بعض الخدمات الأخرى، مثل التبييض والزراعة والتقويم. موضحة أن بعض الأطباء يضطرون إلى توفير هذه المواد أو تنسيق الحصول عليها أو تهريبها بطرق غير شرعية.

وأضافت أن بعض التجار استغلوا هذا النقص، وأصبحوا يهربون مواد الأسنان اللازمة بطرق غير شرعية ويبيعونها للأطباء في السوق السوداء بأسعار باهظة. ما يؤثر سلبًا على الأطباء الذين لا يتبعون هذه الطرق ولا يتمكنون من توفير المواد.

فيما وصفت معاناة طبيب الأسنان في ظل هذا الوضع بأنها قاسية. موضحة أن الطبيب قد يضطر إلى إغلاق عيادته التي قد تكون مصدر رزقه الوحيد ورزق أطفاله، ما يجعل مصير أسرته مهددًا.

وطالبت بالتدخل العاجل والسماح بتنسيق دخول مواد الأسنان إلى قطاع غزة، مؤكدة أن هذه المواد تخدم جميع فئات المجتمع، وأن علاج الأسنان ضروري للأطفال والكبار والنساء والرجال.

من الوقاية إلى انتظار تسكين الألم

من جهة أخرى كشفت دراسة حديثة قارنت واقع صحة الفم لدى سكان غزة قبل الحرب وأثناءها عن تدهور حاد في معظم المؤشرات المتعلقة بصحة الأسنان والعناية بها.

وشملت الدراسة 599 شخصًا من سكان قطاع غزة. ووجدت أن نسبة من أبلغوا عن ألم أسنان شديد ارتفعت من 6.5% قبل الحرب إلى 73.8% خلالها، فيما تراجعت نسبة من لم يعانوا ألمًا في الأسنان من 25.5% إلى نحو 2%.

كما ارتفعت الاحتياجات السنية غير الملباة من 11.7% قبل الحرب إلى 92.7% أثناءها، بينما قال 95.5% من المشاركين إن صحة الفم والأسنان لديهم تدهورت منذ اندلاع الحرب.

ولا تعكس هذه الأرقام ارتفاع معدل الألم فحسب، بل تكشف تغير طبيعة الرعاية نفسها. فبدل أن يذهب المريض إلى العيادة للفحص الدوري أو علاج مشكلة في بدايتها، أصبح الوصول إلى الطبيب غالبًا مرتبطًا بألم شديد أو حالة طارئة.

وأظهرت الدراسة أن نسبة من ذكروا خلع الأسنان كسبب لزيارة طبيب الأسنان ارتفعت من 5.8% قبل الحرب إلى 17.2% أثناء الحرب. في حين تراجعت الزيارات الدورية بهدف الفحص والوقاية إلى مستويات متدنية جدًا.

وعندما سئل المشاركون عن الخدمة السنية الأكثر إلحاحًا. جاء تسكين الألم الطارئ في المرتبة الأولى بنسبة 54.9%. في مؤشر على تحول الأولوية من الوقاية والعلاج المبكر إلى التخلص من الألم الذي أصبح جزءًا من الحياة اليومية لكثير من الغزيين.

تداعيات الحرب المدمرة 

لم تقتصر تداعيات الحرب على تدمير العيادات والمرافق الصحية، إذ امتدت إلى أبسط ممارسات العناية اليومية.

فقد انخفضت نسبة الأشخاص الذين ينظفون أسنانهم مرتين يوميًا من 77.5% قبل الحرب إلى 9.5% خلالها، بينما ارتفعت نسبة الذين توقفوا تمامًا عن تنظيف أسنانهم من 0.8% إلى 38.4%. كما تراجعت نسبة من وصفوا لثتهم بأنها صحية من 88.1% إلى 12.4%.

ويرتبط ذلك بالظروف التي فرضتها الحرب من نزوح ونقص في المياه ومستلزمات النظافة. إلى جانب تغير النظام الغذائي؛ إذ أفاد 86% من المشاركين في الدراسة بالاعتماد على الأغذية المعلبة خلال الحرب.

وبينما تتواصل تداعيات الحرب على مختلف جوانب الحياة في غزة، لم يعد تراجع خدمات طب الأسنان قضية مرتبطة بالعلاج وحده، بل بات جزءًا من أزمة صحية أوسع تتفاقم مع نقص الأدوية والمستلزمات الطبية. وتضرر العيادات والمراكز الصحية، وصعوبة وصول المرضى إلى الرعاية اللازمة.
وفي ظل هذه الظروف، يجد آلاف المرضى أنفسهم أمام خيارات محدودة. فيما يواصل أطباء الأسنان العمل بما يتوفر لديهم من إمكانات، محاولين سد فجوة تتسع يومًا بعد آخر. لكن استمرار هذا الواقع يهدد بتحويل مشكلات يمكن علاجها إلى مضاعفات أكثر خطورة. ويجعل إعادة بناء قطاع طب الأسنان واستعادة قدرته على تقديم خدماته جزءًا أساسيًا من أي مسار للتعافي الصحي في غزة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى