د. سفيان أبو زايدة: في ذكرى الانطلاقة وتحت نيران الحرب فتح أمام لحظة الحقيقة
في حوار خاص لشبكة الخامسة...
شبكة الخامسة للأنباء - غزة

د. سفيان أبو زايدة.. حوار: سهر دهليز
في الذكرى الـ61 لانطلاقة حركة فتح، وبين ركام المجازر المتواصلة في قطاع غزة تحت وطأة حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال منذ أكتوبر 2023، تقف القضية الفلسطينية عند مفترق تاريخي حاد، يهدد ليس فقط المشروع الوطني، بل وحدة الشعب ومستقبله السياسي. وفي ظل هذا المشهد الدموي، تتصاعد التساؤلات حول موقع ودور حركة فتح، كأكبر فصيل في الساحة الفلسطينية، ومدى قدرتها على النهوض من جديد لتقود شعبها نحو الحرية والوحدة.
في هذا السياق، تحدّث عضو المجلس الثوري والقيادي البارز في تيار الإصلاح الديمقراطي بحركة فتح، د. سفيان أبو زايدة، في حوار خاص مع “شبكة الخامسة للأنباء“، كاشفًا بكل صراحة التحديات التي تواجه الحركة، ومؤكدًا أن الأمل ما زال ممكنًا إذا ما وُجدت الإرادة الحقيقية لوحدة فتح واستعادة دورها الوطني.
في ذكرى انطلاقة فتح، كيف يمكن قراءة المشهد الفتحاوي في ظل ما يعانيه قطاع غزة بعد حرب الإبادة؟
بكل وضوح، يمكن القول إن حركة فتح كانت غائبة فعليًا كتنظيم خلال العامين الماضيين، وخاصة في قطاع غزة. وهذا انعكس على شعور الناس الذين باتوا يرون أن الحركة فقدت الكثير من قدرتها على التأثير، وهذا أمر محزن ومقلق في آنٍ معًا، وبرغم ما تحمله الحركة في السنوات الأخيرة من مظاهر الضعف الفشل، إلا أنها لا تزال تحمل في داخلها بذور الأمل، والثقة، والوطنية، والوفاء لدماء الشهداء ومعاناة الشعب الفلسطيني. هذا ما يُبقي جذوة الأمل مشتعلة. فتح رغم العواصف والصدمات، بقيت. صحيح أنها ضعيفة، مريضة، بل وعاجزة أحيانًا، لكنها لم تنهَر كما انهارت حركات وتنظيمات أخرى. وهذا دليل على أن داخلها ما زال نابضًا.
ولا يزال هناك أمل و فرصة حقيقية لأن تتغير الظروف، حتى داخل فتح نفسها. إذا وُجدت الإرادة، واتُخذت قرارات جريئة لإعادة بناء المؤسسات وإعادة الاعتبار للدور الكفاحي والتنظيمي، يمكن أن تستعيد فتح مكانتها كحركة تحرر وطني جامعة.
بعد 61 عامًا، هل ما زالت فتح تحافظ على دورها كحركة تحرر وطني؟
لا شك أن حركة فتح لم تحافظ على دورها الريادي والقيادي كما كانت في السابق بعد مرور61 عامًا على تأسيسها. في الماضي، كانت فتح هي الحركة المتصدّرة للمشهد الفلسطيني، وهي من تُصنع الحدث، وتحتضن التنظيمات، وتعبّر عن الموقف الوطني الفلسطيني. لكن اليوم، لا يمكننا القول إنها ما زالت في هذا الموقع القيادي والريادي. وأنها ما زالت مؤثرة، لكن تأثيرها تراجع بشكل كبير، وذلك يعود لعاملان أساسيان وهما:
أولًا، التخلي التدريجي عن الكفاح المسلح. حيث قررت حركة فتح منذ أكثر من ثلاثة عقود أن تكون الأولوية للعمل السياسي، وأصبح هذا المسار يتصدر المشهد على حساب الكفاح المسلح. هذا التغيير أضعف الصلة بينها وبين الجماهير، لأن الالتفاف الشعبي حول فتح في بداياتها كان بسبب الكفاح المسلح.
ثانيًا، فشل المشروع السياسي، قادت حركة فتح مشروعًا سياسيًا منذ عام 1988، وبلغ ذروته باتفاق وكامبد ديفيد واتفاق أوسلو عام 1993، الذي أسس للسلطة الوطنية الفلسطينية، وكان يُفترض أن يقود إلى إقامة دولة فلسطينية بحلول عام 1999. لكن في المحصلة، لم يتحقق شيء من هذا الهدف. المشروع السياسي فشل عمليًا، وبقيت السلطة كيانًا ضعيفًا، مقلمة الأظافر، دون أي تأثر أو سيادة حقيقية سواء كان بالضفة الغربية أو في غزة، خاصةً في ظل تصاعد عربدة المستوطنين، وغياب الأفق السياسي، والوضع الاقتصادي الخانق.
هل ساهمت التطورات الإسرائيلية في تعميق هذا الفشل؟
بكل تأكيد… فوجود حكومة يمينية متطرفة في إسرائيل، هدفها المعلن هو تقويض السلطة وإضعافها حتى انهيارها، عمّق من الأزمة كون حركة فتح كانت دائمًا مرتبطة بالإنجاز، وحين فشل المسار السياسي، تحمّلت هي وحدها العبء وكل إخفاقات السلطة السلبية والإيجابية، خصوصًا أنها ذابت نفسها داخل السلطة. أصبحت كل السلبيات تُحسب على فتح، وبالتالي فقدت الكثير من بريقها. وأنه لا يكفي التغنى بتاريخ الحركة وإنجازات القادة المؤسسين، وبالرغم من أن حركة فتح صاحبة التاريخ الأبرز في النضال الفلسطيني، ولا يوجد تنظيم فلسطيني حقق ما حققته من حضور وشهداء وتضحيات، إلا أنه لا يمكن العيش فقط على التاريخ. ولا يمكن قيادة شعبًا من خلال التغني ببطولات الماضي وكوفية ياسر عرفات، بينما الواقع لا يحمل مؤسسات فاعلة، ولا دورًا سياسيًا أو نضاليًا حقيقيًا. وأنه في كثير من المجالات، فقدت فتح هويتها النضالية، وهذه الحقيقة يجب أن تُواجَه بنقد شجاع.
وبالرغم من كل ما تمر به حركة فتح إلا أنه أجمل ما فيها ما زالت تحتمل النقد من داخلها. لا تزال هناك قيادات وكوادر قادرة على التقييم، على النقاش، على قول الحقيقة. وهذه نقطة تميز فتح عن تنظيمات أخرى، لا تسمح بمسّ أفكارها أو رموزها، وأنها لم تنهَر كما انهارت تنظيمات أخرى. ولا تزال هناك بذور للأمل، الثقة، الوفاء، والوطنية، وهي ما يمكن البناء عليه لإحياء فتح من جديد.
كشفت الحرب على غزة عن أزماتٍ عميقةٍ في النظام السياسي الفلسطيني… كيف يمكن التعاطي مع هذه الأزمات ومعالجتها؟
“النظام السياسي الفلسطيني يعاني من أزمة قبل السابع من أكتوبر. أزمة كبيرة، عمليًا، منذ الانقسام الفلسطيني و سيطرة حماس بقوة السلاح على قطاع غزة، أو بالأحرى، منذ أن تخلّت فتح والسلطة عن قطاع غزة وتركته لقمة سائغة لحركة حماس. لذلك، النظام السياسي الفلسطيني في أزمة.
الانقسام الفلسطيني عزز من هذه الأزمة، وغياب الديمقراطية والمؤسسات عزز أو عمّق من هذه الأزمة. وعدم إجراء انتخابات منذ العام 2006، يعني منذ 20 عامًا، لم تُجرَ انتخابات في السلطة الفلسطينية. لذلك، لا يستطيع أحد أن يدّعي أنه شرعي؛ لا حماس تستطيع أن تدّعي الشرعية بناءً على أنها انتُخبت قبل 20 عامًا، ولا أي شخصية أو سياسي فلسطيني يستطيع أن يقول إنه شرعي لأنه انتُخب قبل 20 عامًا.
لذلك، أزمة النظام السياسي الفلسطيني تكمن في أن هناك خلطًا بين التنظيمات وبين السلطة، وهناك تفكك في السلطات الثلاث التي لا تقوم بدورها: السلطة التنفيذية، والسلطة التشريعية التي تم إلغاء المجلس التشريعي، والسلطة القضائية… والنماذج كثيرة، لذلك هناك أزمة كبيرة في النظام السياسي الفلسطيني.
بعد سنواتٍ طويلةٍ من الانقسام، هل تعتقد أن مرحلة ما بعد الحرب قد تفتح الباب أمام استعادة الوحدة الوطنية؟
كان من المفترض أن تشكّل الحرب المستمرة على قطاع غزة دافعًا حقيقيًا للقوى الفلسطينية المختلفة لتتوحّد تحت راية واحدة، هي راية فلسطين والوحدة الوطنية. لكن، وللأسف الشديد، ما حدث كان عكس ذلك تمامًا. هذه الحرب، بدل أن تُقرّب الأطراف الفلسطينية، عمّقت الهوّة والانقسام، سواء بين غزة والضفة، أو بين حركتي فتح وحماس، أو حتى بين السلطة الفلسطينية والفصائل الوطنية، وعلى رأسها حركة حماس.
وأن اللقاءات بين الفصائل، وتحديدًا بين فتح وحماس، تكاد تكون معدومة خلال العامين الماضيين. وإن حدثت، فهي حالات فريدة ومحدودة، لا تستند إلى أجندة واضحة أو إرادة حقيقية لبناء شراكة وطنية. هذا الغياب التام للوحدة والتفاهم السياسي لا ينعكس فقط على الأداء السياسي، بل يُفاقم من معاناة الشعب الفلسطيني، ويُضعف ثقة المواطنين في المؤسسات والتنظيمات الفلسطينية القائمة، في وقت يفترض أن تكون فيه هذه الثقة في أعلى مستوياتها، نظرًا للمرحلة المصيرية التي نمر بها.
هل الظروف ما زالت سانحة لتحقيق مصالحة فتحاوية؟ أم أن سياسات التفرد ما تزال تعيق هذا الحلم الفتحاوي؟
كانت هناك جهود حقيقية لتحقيق المصالحة داخل حركة فتح، بدعم ورعاية مصرية، وجهود أخرى من أطراف متعددة. وقد أُحرز في بعض المراحل تقدم ملموس. لكن، وللأسف، لم تصل هذه الجهود حتى اللحظة إلى نتائج عملية أو ملموسة على أرض الواقع. الأسباب في ذلك كثيرة، ومعظمها لا تستند إلى منطق سياسي أو وطني، بل تعود لاعتبارات شخصية ومزاجية، لا علاقة لها بمصلحة حركة فتح أو القضية الفلسطينية.
قيادة التيار الإصلاحي لحركة فتح لم تضع في أي وقت شروطًا مسبقة. نحن نطالب فقط بإعادة حركة فتح إلى دورها الطبيعي كقائدة ورائدة للمشروع الوطني الفلسطيني، وهذا يتطلب قرارات جريئة وخطوات عملية حقيقية، وهي للأسف لم تُتخذ حتى الآن.
نحن نؤكد أن من يتم تصنيفهم ضمن التيار الإصلاحي لم يغادروا حركة فتح طوعًا، بل فُصلوا بقرارات مجحفة وظالمة، لا تستند إلى أسس تنظيمية أو قانونية. لذلك، فإن أول خطوة في طريق المصالحة الداخلية هي إلغاء هذه الإجراءات التعسفية بحق القيادات والكادرات الفتحاوية. نحن منفتحون على أي تفاهم أو حوار يخدم وحدة الحركة، ويعيد لها مكانتها التاريخية والوطنية.
ما الدور المتوقع لحركة فتح الموحدة في إعادة بناء غزة سياسيًا ومجتمعيًا بعد الحرب؟
هناك قناعة راسخة لدى العديد من الأطراف، سواء داخل الحركة أو على المستوى العربي والإقليمي والدولي، بأن أي دور لحركة فتح في قطاع غزة في مرحلة البناء أي ما بعد الحرب وانتهاء الاحتلال الإسرائيلي لن يُكتب له النجاح إلا إذا استعادت الحركة وحدتها الداخلية.
وأن هذه القناعة باتت واضحة لدى قيادات كثيرة في الضفة الغربية، ممن يدركون أن إعادة إعمار غزة والمشاركة في إدارة شؤونها يتطلب أولًا مصالحة داخلية حقيقية داخل حركة فتح، وأنه لا يمكن لفتح أن تنهض بدورها دون إنهاء القطيعة مع الكوادر والقيادات التي تم فصلها وتصنيفها ضمن التيار الإصلاحي، و إلغاء كافة الإجراءات التي اتُخذت بحقهم.
في حقيقة الأمر، حركة فتح بحاجة ماسة لهذه القيادات والكفاءات أكثر مما يحتاجون إليها، فالمصالحة الفتحاوية مصلحة وطنية وتنظيمية عليا، وهي ضرورة لكل من يؤمن بوحدة الحركة ومستقبلها ودورها الريادي، تحقيق هذا الهدف لن يكون ممكنًا دون مصالحة فتحاوية شاملة، وخاصة في قطاع غزة، الذي يُعد ساحة مركزية ومفتاحًا لأي دور وطني قادم.
ما أبرز أولويات تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح في المرحلة المقبلة سياسيًا وتنظيميًا؟
تيار الإصلاح الديمقراطي بحركة فتح أثبت خلال العامين الماضيين، التزامه الميداني والوطني تجاه أبناء الشعب الفلسطيني، وخاصة في قطاع غزة، من خلال العمل الجاد والدؤوب لتخفيف معاناتهم ودعم صمودهم في وجه العدوان والحصار، وأن كافة كوادر التيار سواء في الداخل أو الخارج، وضعوا كل طاقتهم وجهدهم في خدمة أبناء شعبهم، وأن التيار لم ينتظر تكليفًا من أحد، بل كان يؤمن أن الوقوف لجانب شعبنا في هذه الظروف القاسية هو واجب وطني وأخلاقي.
هذا ولم ينشغل التيار بالشعارات الكبيرة أو المواقف الإعلامية التي لا تُترجم على أرض الواقع، بل عمل فعليًا في الميدان، في الجانب الإنساني والخدماتي، وكان حاضرًا بين الناس، يشعر بمعاناتهم ويعمل لتخفيفها بكل ما أُتيح له، وأن ما يميز تيار الإصلاح الديمقراطي هو قربه من الناس، وتحركه العملي الفعّال، ليس لأجل التقدير أو الشكر أو الحصول على المكافآت، بل لكونه جزءًا من مسؤوليتنا تجاه شعبنا، وواجبًا فتحاويًا أصيلًا في ظل غياب الدور الرسمي للكثير من الجهات. وأنه كنا وسنبقى في خندق شعبنا، لا ننتظر تعليمات أو قرارات، بل نتحرك من منطلق الإيمان العميق بقضيتنا وبأن فتح الحقيقية التي تنحاز للناس، وتكون في صفهم دائمًا.
هل يرى التيار أننا بحاجةٍ إعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني لمواجهة تحديات المرحلة؟
لا شك بأن تيار الإصلاح الديمقراطي يرى أن النظام السياسي الفلسطيني بحاجة لإعادة بناء، وأن الاستراتيجية الوطنية الحالية بحاجة ماسة إلى إعادة صياغة شاملة بما يتوافق مع المتغيرات التي تحقق تطلعات الشعب الفلسطيني.
نحن نحتفل اليوم بذكرى انطلاقة حركة فتح الـ61، وقبل أيام احتفلت حركة حماس بانطلاقتها، وقبلها الجبهة الشعبية، وبعدها ستحتفل الجبهة الديمقراطية. ولكن الحقيقة أن هذه الأرقام لتأسيس التنظيمات الفلسطينية ليست إنجازًا بحد ذاتها، وعمليا ما زال الاحتلال جاثم، وعربدة المستوطنين مستمرة، والشعب الفلسطيني لم يحصل على دولة، وما زال الاحتلال يعيد احتلال قطاع غزة مرةً أخرى بشكل فعلي، ليس انجاز التفاخر بأعوام من الصمود والعطاء، بل يعتبر فشل واخفاق في الاحتفال بهذه الانطلاقة وعمليا الشعب الفلسطيني لم يصل إلى تحقيق أهدافه، لذلك يدعو التيار إلى إعادة صياغة الاستراتيجية الوطنية للوصول إلى الأهداف الوطنية الفلسطينية.
ما رسالتكم للشباب الفلسطيني، خاصة في غزة، في هذه المرحلة الحرجة؟
رسالتنا للشباب الفلسطيني، خاصة في قطاع غزة، هي رسالة محبة ووفاء، رسالة صدق انتماء وأمل حقيقي، وأنه لن تكون هناك سنوات أسوأ مما مر به الشباب في غزة خلال العامين الماضيين، ورغم صعوبة السنوات الماضية، أنني على يقين أن الظروف ستتغير، وما على الشباب إلا أن يتمسكوا بالأمل، ويواصلوا النضال في كل مجالات الحياة ليحققوا أحلامهم وطموحاتهم فهم عماد الوطن وأمله الحقيقي، وأننا وصلنا إلى نهاية النفق المظلم، ومن هناك سيبدأ بزوغ فجر جديد في وطن يستحق الحياة.
في ختام هذا الحوار، تتقاطع كلمات د. سفيان أبو زايدة مع نبض الشارع الفلسطيني، مؤكدة أن حركة فتح، رغم ما أصابها من ضعف وتراجع، لا تزال تملك من التاريخ والكوادر والروح النضالية ما يؤهلها للوقوف من جديد. فهل تُشكّل الذكرى الـ61 لانطلاقة حركة فتح محطةً للمراجعة وتصحيح المسار قبل فوات الأوان؟
وهل تدفع نيران الحرب المستعرة في غزة الحركة إلى تجاوز الانقسام الداخلي وتوحيد الصفوف؟ أم تبقى رهينة الحسابات الضيقة، فيما يواصل الشعب الفلسطيني نزيفه تحت نير الاحتلال والحصار؟
أسئلة موجعة… وإجاباتها لا تُولد من الشعارات، بل من الإرادة والقرار.





