طلال عوكل: حين تبدأ أميركا بفقد حلفائها

عميقة وبعيدة المدى هي الآثار والتداعيات الناجمة عن الحرب الدائرة على مساحة جغرافية محدودة، لكنها تهز العالم من أدناه إلى أقصاه.
بمعزل عن الإيمان بالأقدار، فإنّ هذه الحرب، ما كانت لتتأخر عن الموعد الذي انفجرت فيه، حيث بلغ الضغط الأميركي على روسيا، حدوداً لا يمكن إلّا أن يؤدي إلى الانفجار. الرئيس الصيني حمّل الولايات المتحدة الأميركية المسؤولية عن وصول الأوضاع إلى ما وصلت إليه، ما يشي بأن الصين هي الأخرى، لم تعد تحتمل الضغوط الأميركية، وتجاوزاتها على مصالح وأمن واستقرار قوى كبرى، لا شيء يحول دون أن تتحرك لحماية مصالحها وأمنها واستقرارها.
ثمة تسريبات عدا التوقعات المنطقية، تشير إلى أن الصين قد تكون على موعد في الخريف القادم، لاستعادة تايوان، ما لم ومن غير المرجّح أن يتم حل هذه الأزمة بالطرق السياسية والدبلوماسية.
الرئيس الأميركي جو بايدن لم يتوقف عن تحذير الصين، من أنها ستواجه عقوبات شديدة في حال مدّت يد العون العسكري والمالي والتجاري لروسيا، وطالب الصين بالعمل مع روسيا لوقف الحرب، لكن شيئاً من هذا لم يحصل حتى الآن.
خلال مرحلة النظام العالمي بزعامة الولايات المتحدة، وفي ظل غياب المنظومة الاشتراكية، وضعف التنافس بين الدول الكبرى كان لا بد للولايات المتحدة من أن تخلق عدواً يقدم لها الذرائع والدوافع لتوسيع دائرة نفوذها وهيمنتها وسيطرتها على ثروات الأمم.
وبصرف النظر عمن ارتكب جريمة تفجير برجي التجارة العالمية في نيويورك فإن ذلك ألهم الرئيس الأميركي جورج بوش الابن للإعلان بأن الإرهاب هو العدو الخطير والمباشر للاستقرار والسلم العالميين.
لم يعد سرّاً أن الولايات المتحدة وأجهزتها الاستخبارية، ساهمت مساهمة مباشرة في خلق الأدوات التي تمارس هذا الإرهاب من «القاعدة» إلى «النصرة»، إلى تنظيم الدولة «داعش»، واتهام الإسلام والمسلمين بممارسة الإرهاب بهدف ابتزاز العالم الإسلامي، وإخضاعه والهيمنة على ثرواته، خاصة دول النفط والغاز.
تحت هذه الذريعة قامت الولايات المتحدة، باحتلال أفغانستان لمدة عشرين عاماً، وبعد احتلال أفغانستان مباشرة، قامت باحتلال العراق، ونهب ثرواته، وإفقاره، وإقامة قواعد عسكرية ثابتة على أراضيه.
كان الهدف الأساسي من احتلال أفغانستان ليس فقط ثرواتها، وإنما تحويلها إلى قاعدة عسكرية استراتيجية بالقرب من حدودها مع الصين وروسيا، أما بالنسبة للعراق فالهدف هو الهيمنة على ثرواته النفطية، بالإضافة إلى علاقة الجغرافيا العراقية بمسألة أمن الخليج، والتهديد الإيراني.
القوات الأميركية والمشتركة في البلدين تركت دماراً هائلاً، ولكنها لم تقوَ على احتمال الكلفة باهظة الثمن الناجمة عن المقاومة، التي اضطرتها للهروب على نحو مذلّ.
إذاً انتهى الإرهاب كذريعة، ولم ينتهِ وجوداً وممارسة في عديد الدول، خصوصاً العربية، فقد أعلنت الإدارة الأميركية الحالية على لسان رئيسها جو بايدن أن أعداء الديمقراطية هم الصين ثم روسيا ثم إيران، وبذلك يكون قد حدد بوصلة الصراع الدولي القادم.
تعتقد الولايات المتحدة أن توازن الرعب النووي لا يسمح باندلاع حروب مدمّرة، على طريقة الحربين العالميتين الأولى والثانية مع الفارق في نوع وطبيعة الدمار، ولذلك اعتمدت في تصدّيها لهؤلاء الأعداء على الاقتصاد، وإثارة الفتن الداخلية، ومحاصرتها بالقواعد العسكرية والأمنية.
خلال هذه الفترة، تعرضت الصين وروسيا وإيران لعقوبات اقتصادية واسعة وشديدة، لكن تلك العقوبات لم تنجح في إخضاع هذه الدول، ولم تثنها عن مواصلة الصمود وحماية أمنها ومصالحها، وبالتالي كان لا بدّ من المقاومة.

الغرب الرأسمالي يجنّد كل طاقاته الاقتصادية والدبلوماسية لإلحاق الهزيمة بروسيا، من خلال إنهاك اقتصادها، وفي الوقت ذاته، تحويل أوكرانيا إلى أفغانستان ثانية لتكبيد الجيش الروسي أثماناً لا يقوى على تحملها مع مرور المزيد من الوقت.
تدرك أوروبا أنها الضحية المباشرة لهذا الضغط الأميركي، عدا روسيا، فإذا كان الاقتصاد الأميركي يتحمل صرف مئات مليارات الدولارات، فإن أوروبا لا تستطيع مجاراتها وتحمل تبعات الاستغناء عن مصادر الطاقة الروسية، ووقف التعامل معها.
إذا كانت هذه الحرب نسخة عصرية لحرب عالمية من شأنها أن تهزّ شجرة النظام الدولي من جذورها، فإن وقف القتال لا يعني أبداً توقف هذه الحرب، التي ستستمر بوسائل أخرى إلى أمدٍ بعيد.
وفيما يبحث العديد من دول العالم، خصوصاً في الشرق الأوسط، عن محاولة تخفيف الآثار السلبية الناجمة عن حدة الاستقطاب، فإن الرئيس الصيني يعلن بوضوح أن على الولايات المتحدة أن تقبل شراكة الصين في المسؤولية عن الأمن والسلام العالمي.
لعلّ من مؤشّرات الحذر أن تحاول إسرائيل إظهار الحيادية، وكذلك الحال بالنسبة لدولة مثل تركيا، وهي مجرد محاولات قد تنجح أو لا تنجح، فالأمر رهن بما ستأتي به المرحلة القادمة، خصوصاً تحت الضغط الأميركي المتواصل لمغادرة مواقع الحياد، وإلّا فإن ثمة اختلالات ستلحق بالعلاقات الأميركية الإسرائيلية والأميركية التركية.
مبدئياً يمكن ملاحظة التمرد أو الاحتجاج السعودي الإماراتي على السياسة الأميركية، وإن دون الانحياز لروسيا، حيث ترفض الدولتان الحديث للرئيس بايدن، أو الاستجابة لطلبه برفع مستوى إنتاج النفط بما يؤدي إلى خفض أسعاره. يريد بايدن أن يتحمل أهل النفط خسائر لصالح حربه ونزعة الهيمنة لديه.
بالتأكيد ثمة أسباب وجيهة للتمرد أو الاحتجاج السعودي الإماراتي، ولكن، أيضاً، هو رفض لأن تتكبد هذه الدول أثماناً من ثرواتها، دون أن تحصل على مقابل، إن كانت هذه مجرد أمثلة فإنها ليست حصرية، والأرجح أن هناك من سيتمرّد، أيضاً.

الرابط مختصر: