طلال عوكل: نحو تعميق التناقض بين إسرائيل وحلفائها

يوماً بعد آخر، تتسع الهوة، وتزداد الخلافات بين الأب الأميركي والابن الإسرائيلي المدلل. بينما ترسم الولايات المتحدة سياساتها واستراتيجياتها انطلاقاً من موقعها الدولي، باعتبارها لا تزال القوة الأعظم، ما يستدعي رؤية شاملة لما يجري من تطورات ومتغيرات على سطح الكوكب، فإسرائيل تتصرف بذاتية مفرطة، لا تراعي سوى مصالحها الغارقة في ممارسة الاحتلال، وسياسة «الأبارتهايد»، والتوسع.
ثمة فارق أساسي وجوهري بين الدولتين، فالولايات المتحدة دولة راسخة، أقصى ما يمكن أن تتعرض له، التفكك إلى دويلات قوية، وأما إسرائيل فإن دوافعها تنطلق من أنها تخشى على وجودها، وعلى ما سيؤول إليه اليهود في حال تعرضها لخطر وجودي.
لا شك بأن الولايات المتحدة، وشركاءها الغربيين ملتزمون التزاماً راسخاً بأمن وتفوق إسرائيل وحمايتها، باعتبارها واحدة من أهم مشاريعها وأدواتها الاستعمارية لتحقيق مصالحها وتأمين سيطرتها على ثروات هذه المنطقة الحساسة والغنية، ولكن ليس إلى الحد الذي يجعل إسرائيل في الموقع الذي يقرر للآخرين أولوياتهم واستراتيجياتهم. ولأن المشروع الصهيوني، ولد في بلاد الغرب الاستعماري، أي من الساحة الدولية، ثم نجح وترعرع، بفضل استمرار الرعاية والدعم الدوليين فإن من الأهمية بمكان بالنسبة للفلسطينيين، العمل على تغيير البيئة الدولية لكي تجرد إسرائيل المحتلة من أهم أسلحتها وهو الدعم الدولي اللامحدود الذي يمدها بترياق البقاء.
نعود هنا ونذكر بأن الولايات المتحدة ما كانت ستنسحب من حربها على فيتنام، رغم المقاومة الفيتنامية البطولية للاحتلال، لولا أن المجتمع الأميركي، كانت له كلمته الحاسمة في إرغام الإدارة على الانسحاب حتى لو كان انسحابا ذليلاً لقوة عظمى.
بالتأكيد ثمة اختلاف بين ظروف المقاومة الفلسطينية وبين المقاومة الفيتنامية، ولكن دون الخوض في تلك الاختلافات، إلا أن المقاومة الفيتنامية كانت أقوى، فلقد تكبدت خسائر فادحة لكنها ألحقت بالأميركيين أيضا خسائر فادحة.
الخلافات بين الولايات المتحدة وإسرائيل كانت موجودة دائماً، غير أن الطرفين كانا قادرين دائماً على استيعابها، وكانت النتائج دائماً لمصلحة إسرائيل، غير أن الخلافات أخذت تتعمق مع مرحلة وجود الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما، وكان حينها الرئيس الحالي جوزيف بايدن نائبا له، تلقت إدارة أوباما الكثير من الإهانات والممارسات الفوقية من قبل نتنياهو وحكومته، لكن الخلافات بقيت موجودة إلى أن تسلم ترامب رئاسة الإدارة، والذي منح إسرائيل مكافآت استراتيجية. وبالرغم من ذلك، ها هو ترامب يغرد بطريقة مهينة ضد نتنياهو رغم العلاقات المتينة التي كانت تربط الرجلين.
على السطح يظهر الخلاف جليا بين إسرائيل والولايات المتحدة فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، حيث تعمل السياسة الإسرائيلية على خط إفشال المحاولات الجارية لإعادة إحياء اتفاق (خمسة زائد واحد)، الذي تفضله الإدارة الأميركية وتسعى من اجل إنجاح تلك المحاولات. إسرائيل لم تتوقف عن شن هجمات على إيران في مختلف مواقع وجودها بما في ذلك في إيران ذاتها، وهي تدرك أن ما تفعله لا يمكن أن يؤدي إلى تدمير ما تقول إسرائيل إنه برنامج نووي ذي أبعاد عسكرية وأمنية.
ما تقوم به إسرائيل هو محاولة لتوريط الولايات المتحدة وجرها إلى مغادرة سلوكها الدبلوماسي، نحو الانخراط في استخدام القوة، لوقف البرنامج النووي الإيراني. لا تكتفي إسرائيل بسلسلة العقوبات الاقتصادية وغير الاقتصادية المؤثرة، التي تتخذها الولايات المتحدة وشركاؤها في مواجهة إيران، التي صمدت وتصمد في هذه المعركة، بل إنها تواصل رفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 60% قابلة للزيادة إلى 90%، في حال فشلت المفاوضات الجارية.

ليس هذا وحسب بل إن إيران تواصل تمددها في المنطقة، عبر وجود مباشر في بعضها وغير مباشر، وعبر شركاء وحلفاء في مناطق أخرى، خصوصاً في المحيط المجاور والقريب من إسرائيل.
يبدو أن غضب إسرائيل لم يهدأ، ومن المرجح أن يتصاعد في ظل إصرار الإدارة الأميركية على منهجها في التعامل مع إيران وملفها، ولذلك فإنها تواصل إرسال مسؤوليها العسكريين والأمنيين إلى الولايات المتحدة وتواصل التحريض على السياسة الأميركية. في لهجة لا تخلو من التهديد والذاتية يقول بيني غانتس وزير الدفاع الإسرائيلي: «إن إسرائيل ليست مضطرة للتنسيق مع أميركا قبل أي هجوم عسكري سيطال الأراضي الإيرانية».
وبحسب الموقع الإلكتروني الإسرائيلي «كيطار شبات» فإن غانتس يؤكد أن الخيار العسكري مطروح دائماً على أجندة حكومته، وهو يراهن على أن أميركا دائما كانت تدعم إسرائيل التي تدافع عن نفسها.
في الحقيقة، فإن إسرائيل كانت ستبادر لشن هجوم على إيران لكنها تدرك أنها ما كانت ستنجح دون شراكة حقيقية مع الولايات المتحدة التي تفضل عدم اللجوء إلى هذا الخيار، ولا تفضل أن تلجأ إسرائيل إليه منفردة لأن ذلك سيلحق ضرراً بالغاً بالسياسة والمصالح الأميركية، لهذا فإن الخلاف يتصاعد كلما اقتربت مفاوضات «فيينا» من التوصل إلى تفاهمات بين شركاء اتفاق 2015.
الخلافات تشمل، أيضاً، المواقف من السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من خلال عناوين واضحة أولها الاستيطان، ثم إعادة فتح القنصلية الأميركية في القدس، وسياسة هدم المنازل، والتصعيد الإسرائيلي في مختلف الأراضي الفلسطينية المحتلة، بالإضافة إلى رفضها من حيث المبدأ العودة إلى المفاوضات مع الفلسطينيين ورؤية الدولتين.
وعلى نحو أوسع ثمة خلاف حول الشراكات الإسرائيلية مع الصين التي تحتل الأولوية كخطر بالنسبة للأميركيين.
يقودنا ذلك إلى أهمية العمل فلسطينيا وفق سياسة تعميق وتوسيع هذه التناقضات بين الأب والابن، وبين إسرائيل وحلفائها الغربيين وقد لاحظ الجميع أنه ليس دون جدوى النضال الشعبي الفلسطيني حيث تتجاوز التصويتات لصالح الفلسطينيين في الأمم المتحدة عتبة المئة وستين صوتاً.
المدخل ليس الحكومات والإدارات، وإنما المجتمعات الغربية بما في ذلك أميركا والتي أخذت تتفاعل إيجاباً لصالح الفلسطينيين بالتوازي مع انتقاد ورفض العنصرية والإرهاب الصهيوني. يعني ذلك أن السياسة الفلسطينية ينبغي أن تركز على فضح السياسات العنصرية والاحتلالية والتوسعية الإسرائيلية.

الرابط مختصر: