مقالات الخامسة

كيف نفهم الحرب الأميركية المتدحرجة؟

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: عبد المجيد سويلم
يستحيل أن نفهم وندرك بعمق ما يجري من تصعيد عسكري أميركي ضد إيران، بمعزل عن الصراع الداخلي الضاري بصورة غير مسبوقة في الولايات المتحدة، ومن صراع حقيقي في أروقة البيت الأبيض نفسه.

ومهما حاول البيت الأبيض الالتفاف والتورية على هذا الصراع، إلى درجة الحديث عن توافق معين بين الرئيس ونائبه، وأن الأمور على هذا الصعيد تسير على إيقاع هذا التوافق، فإن الأمور مختلفة ومناقضة لما يرويه الرئيس ترامب، حسب كل المؤشرات والوقائع.
يستحيل على نائب الرئيس أن يخرج علناً، ويهاجم بكل ما في كلمة مهاجمة من معنى دولة الاحتلال، ويجاهر بأن نتنياهو وحكومته يعملان علناً ضد المصالح الكبرى للولايات المتحدة، ويهددان إستراتيجية «أميركا أولاً»، والذي أتت مذكرة التفاهم مع إيران في إطار السعي لتحقيقها، دون أن يكون الصراع قد حُسم لصالح الخط الذي يمثله وزير الخارجية مارك روبيو، ويكون ويتكوف وكوشنر قد تم الحد من تأثيرهما المباشر على دائرة صنع القرار في البيت الأبيض.
ساذج، وربما أكثر من ساذج، من يعتقد أن الصراع داخل الإدارة الأميركية قد حُسم لصالح ترامب نهائياً، بعد أو في الطريق إلى ذلك، حتى لو خرج علينا نائب الرئيس جهاراً نهاراً للحديث عن وحدة مواقف هذه الإدارة.
مقابل إستراتيجية «أميركا أولاً»، هناك إستراتيجية جديدة تم اعتمادها، وهي إستراتيجية «ترامب أولاً». وبصرف النظر عن شكل تغليف هذه الإستراتيجية، وساذج أكثر من يعتقد أن خطة «ترامب أولاً» تقوم على الإعداد السريع للحرب الشاملة في كامل الإقليم، لأن الخطة أكبر وأعقد من ذلك.
الوضع الداخلي في أميركا لا يسمح بهذه الرفاهية، والصراع داخل الإدارة ليس جاهزاً بما يكفي ويطمئن لها، لكن الصراع مع إيران سيستمر وفق الحرب المتدحرجة، وصولاً إلى مرحلة الحسم.
باختصار، الرئيس ترامب سيوصل الولايات المتحدة إلى نقطة تكون، بعد شهرين إلى ثلاثة أشهر، قد فقدت كل قدرة على استخدام ما تبقى فيها ومنها من مؤسساتية، ومن بيروقراطية محسوبة على حطام الدولة العميقة، لكي يضع البلاد والعباد أمام خيارين لا ثالث لهما: إما القدرة على التحول إلى الحرب الكاملة الشاملة، أو، إذا لم يتمكن من ذلك، الإقدام عليها، أي على الحرب، وإعلان حالة الطوارئ وإلغاء الانتخابات.
وعند هذه النقطة، ستدق طبول الحرب الأهلية الأميركية لا محالة.
ما يهمنا أكثر من هذا الاحتمال المرعب هو الموقف الإسرائيلي، من حيث الموقع، ومن حيث التموضع ومن حيث توقيت المشاركة في هذا المخطط.
في أغلب الظن، أن الدور الإسرائيلي مؤجل إلى المراحل الأخيرة من هذا المخطط، لثلاثة أسباب على الأقل. الأول أن المخطط الترامبي يقوم، في إحدى أهم ركائزه، على توريط الخليج، وربما مصر أيضاً، وهو أكثر ما يهمنا من كامل الاحتمال المرعب الذي ذكرناه للتو. والمشاركة الإسرائيلية المتعجلة فيه ستؤثر سلباً على خطة التوريط التي يجري بلورتها بخبث ومكر ودهاء خاص.
والثاني أن دولة الاحتلال قد دخلت، منذ الجمعة الماضي، في مرحلة حكومة تصريف الأعمال، التي لا يمكنها قانونياً أن تدخل في أعمال حربية كبيرة، من قبيل الانخراط في حرب بهذا الحجم والنطاق، دون أن تكون قد تعرضت لتهديد أمن قومي كبير، وهو الأمر الذي لا ترغب إيران، في هذه المرحلة، بإيجاد أو تسهيل الطريق أمامه.
من هنا، فإن نتنياهو ينتظر، في إطار الحرب المتدحرجة، دوره فيها. وقد يكون انتظاره لا يقتصر على حجم وطبيعة هذه المشاركة فقط، وإنما، وهذا هو الأرجح، انتظار فيما إذا كان بإمكانه أن يحذو حذو الرئيس ترامب في وضع دولة الاحتلال أمام الأمر الواقع، وأمام إلغاء الانتخابات مهما كلف الثمن.
وأما الثالث، فهو أن نتنياهو بات مطارداً شعبياً في الولايات المتحدة، وبات محاصراً رسمياً، والرئيس ترامب، مهما بلغت رعونته ومهما بلغ تهوره، يدرك أهمية تأجيل المشاركة في خطة الحرب المتدحرجة.
نعود إلى أكثر ما يهمنا من كل ما سبق، عطفاً، على المقال المهم الذي كتبه الصديق الدكتور «إياد البرغوثي» حول الأخطار المحدقة بالدولة الوطنية العربية في ضوء تطورات الحرب الدائرة.
واستكمالاً لأهمية المقال، وبقدر ما يتعلق الأمر بالاستهدافات الأميركية الإسرائيلية، بصرف النظر عن لبس المفهوم وعن التباس خطة التوريط الأميركية، فإن كل الدلائل والمؤشرات تشي بأن الأمور، في إستراتيجية «ترامب أولاً»، لن تعد تعنى بوجود حقيقي لمؤسسة الدولة في الخليج ككيان وطني، وأن ما يهم ترامب، ومعه نتنياهو، هو توريط الدولة العربية، ومعها طبعاً، بعض الدول الإسلامية في مرمى هذه الحرب المتدحرجة، بصرف النظر عن أي نتائج لها، حتى لو أدى هذا التوريط إلى التهديد الوجودي لها، بكل ما تعنيه وما تشير إليه من معنى، حتى بالمعنى الفيزيائي لهذا الوجود.
الرئيس ترامب بدأ يفصح عن ملامح خطة التوريط تباعاً، وهو تحدث علانية عن عدم جدوى الدولة العراقية كما هي قائمة الآن، ولم يُخفِ استهتاره بالدولة الكويتية وتهديده لها من زاوية المشروعية التاريخية، وهاجم الدولة العمانية وهددها، ولم يأبه بدولة الإمارات ودولة البحرين، ويعتبر أن مشاركتهما إلى جانبه في الحرب هي من قبيل تحصيل الحاصل، ويصور لهما الأمر على أن أي تقاعس من جانبهما سيعني التضحية بهما في سياق الحرب، وتركهما لمصيرهما المحتوم إذا ما اندلعت الحرب البرية الشاملة مع إيران، بصرف النظر عن كل ما تبديانه من التزام صارم بالمخطط المعلن.
والرئيس ترامب يعرف حق المعرفة أن المس المباشر بالدولة السعودية، لأسباب تتعلق باليمن من جهة، وبأسباب تتعلق بتحالف باكستان الإستراتيجي معها، ما زال مبكراً. كما يعرف علاقة الدولة التركية بقطر.
ومع ذلك، لا يتورع، ولا يرف له جفن، في تعريض الوجود الخليجي لهذا القدر من الأخطار، رغم عقلانية السياسة الإيرانية، والتزامها الكامل بكافة بنود ما تم الاتفاق عليه، وما تم التوقيع عليه في مذكرة التفاهم.
يعرف القاصي والداني، وتعرف دول الخليج، كل هذه الحقائق، وتعرف أكثر من خلال ما قاله روبيو في اجتماع المنامة، ويعرفون أكثر حملة التحريض على اليمن، ومحاولات جر الأمور إلى باب المندب وقناة السويس.
فهل ستتمكن دول الخليج من الإفلات من هذا الكمين، أم ستقع في المحظور؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى