مقالات الخامسة

لست صيادا.. حراك بلا خلفيات 

د سامي محمد الأخرس

الخامسة للأنباء - غزة

حقيقة لا أدرك خلفيات هذا الحراك الذي تم الدعوة إليه في السادس والعشرون من يونيو، ولا اعلم أو افهم دوافع النشطاء الذين دعوا إليه؟ ولكن املك سؤال عريض هذا الحراك موجه لمن؟ وما هي مطالبه؟!

أدرك أن واقعنا في غزة كارثي، وأحوال شعبنا كارثية، وتتطلب العديد من الحراكات الشعبية، لكن هذه الحركات يجب أن تكون معنونة، ولها اهداف معينة، ومنطلقات واقعية تنطلق منها، وكذلك لدي سؤال أخر، هل الأزمة أو الكارثة التي يعيشها شعبنا بسبب من، ومن المسؤول عنها، ولكي اجيب أو نجيب على تلك التساؤلات، لابد أن نفترض العديد من الفروض الواقعية، المنطقية، التي يتم الإجابة عنها بمسؤولية وطنية، تنطلق من شفافية الإنتماء، وقراءة الواقع بمدخلاته، والبحث عن وسائل لعلاج تجلياته، والخروج بمخرجات عنوانها العريض ( المصلحة الوطنية والشعبية).

لذلك لابد من تشريح الأزمة، وتشخيصها بشكل مقتضب دون الخوض بتفاصيل تغرقنا، ونعجز عن الإجابة عليها، في خضم حالة التيه التي نحن عليها.

إذ سلمنا بأن ازمتنا جزء منها النظام السياسي الفلسطيني، أو الفصائل الفلسطينية، وعلى وجه التحديد حركة حماس التي تقود غزة، ضمن مشروع سياسي افرزه القرار الشعبي الديمقراطي في عام 2007، وما تبعه من تجليات، فلابد لنا من قراءة هذه الأزمة، وفق مدخلات أكثر من عقد، ولكن فلنقرأ الأزمة منذ السابع من اكتوبر، وهو نتاج قرار فردي من حركة أقدمت على عملية عسكرية كبرى دون حسابات استراتيجية على المستوى السياسي، ثم وجد النظام السياسي الفلسطيني نفسه أمام معركة طاحنة، ومذبحة شاملة طالت كل أركان المجتمع الفلسطيني، فوجدت الفصائل بل والنظام السياسي نفسه أمام معكرتين، الأولى: معركة عسكرية اكبر من قدراته وامكانياته، تعرضت من خلالها الفصائل لشتى أنواع الملاحقة، والقتل، والتدمير لكل ادواتها ووسائلها، أمام آلة عسكرية متفوقة أضعاف أضعاف قدراتها، بل وبناها العسكرية، ولذلك أصبح شاغلها الشاغل تأمين ما يمكن تأمينه من بقاء لبعض مقدراتها، الثاني: معركة مطلبية أمام شعبها، واحتياجات شعبها الذي أصبح يحتاج كل شيء من شربة الماء، للأمن والسلامة، وحجم المشروع التدميري جعلها تقف عاجزة حتى عن مخاطبة شعبها ببيان واقعي، أو خطاب واقعي، وكذلك وجدت نفسها عاجزة حتى بملف المفاوضات، لأنها لم تعد تمتلك ما يمكن أن تناور به، أو تضغط به، إلا سبيل واحد فقط ألا وهو صمود شعبها فقط.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

من هنا فالأزمة مركبة، عجز كامل للفصائل عن الإجابة أو الإبداع في تقديم الحلول الموضوعية، المنطقية، سواء على المستوى السياسي، أو المستوى المجتمعي، وحتى على صعيد ملف العمل الإغاثي كذلك.

أما الوجه الأخر الرسمي للنظام السياسي الفلسطيني، الممثل بالسلطة الفلسطينية، فأزمة السلطة الفلسطينية، هي أزمة أعمق من أزمة الفصائل، لأن ما تتعرض له السلطة الفلسطينية، أعقد واصعب مما تتعرض له الفصائل في غزة، فالحرب التي يشنها الأحتلال ضد السلطة الفلسطينية ماليا، وسياسيا، وعسكريا، أكثر قسوة، بعيدا عن عدسات التلفزة العالمية،والرأي العام العالمي، مما جعلها تقف حيث هي، غير قادرة على تقديم الحلول السحرية لمتطلبات الحرب الكارثية التي تشن ضد الشعب الفلسطيني، هذه الحرب التي تستهدف بالمقام الأول والأخير ثبات الشعب الفلسطيني فوق أرضه، وفي وطنه، وتستهدف تفريغ غزة والضفة من الديموغرافية الضاغطة على توازن المستقبل في هذه البقعة الجغرافية.

إذن فالأزمة أزمة معقدة، لا تمتلك اي حلول فورية أو معالجات سريعة في ظل رفض الكيان للتفاعل أو التعامل مع أي مخرجات سواء سياسية أو غير سياسية. وفي ظل عدم امتلاك اي مرونة حركة أو مدخلات سواء من النظام السياسي الفلسطيني أو الإقليمي أو حتى الدولي، في ظل فروض الهيمنة الأمريكية الحالية.

عودة على بدء، ما هي إذن أهداف الحراك الذي تم الدعوة إليه، أو المستهدف من النشطاء، هل يتلخص في تلاشي حركة حماس من المشهد السياسي؟! او تغيير الواقع السياسي كليا في غزة؟

ربما هناك من يقول، نعم تلاشي حركة حماس من المشهد، وهنا نتحاور بصوت مسموع معا، ماذا على حركة حماس أن تقدم؟ وماذا عليها أن تدفع عجلة الخلاص من هذا الواقع؟!

للوهلة الأولى ستجد صدى عبارة واحدة (تسليم السلاح)، أي سلاح هذا الذي يمكن أن يسلم، ولمن يسلم؟ وهل يمكن سلخ غزة عن جغرافيا الوطن؟

وافق النظام السياسي الفلسطيني، بل وشعبنا الفلسطيني بفكرة تشكيل لجنة وطنية مؤقتة لإدارة قطاع غزة، كأحد المخارج الواقعية، والمنطقية، التي تفرضها المرحلة، ولكن ما هي المعيقات التي تعيق بدء عمل وسيطرة اللجنة الوطنية على الأرض؟ ومن صاحب المصلحة بذلك؟ مخطئ من يعتقد أن حركة حماس والفصائل بل والسلطة تتعارض مصالحها مع بسط سيطرة اللجنة الوطنية على الأرض في غزة، بل هي ضد مصلحة مخطط الكيان، الذي وضع عشرات العراقيل على الأرض، لتعقيد بسط هذه السيادة، وأخطر العراقيل اللاءات التي يفرضها، سواء على مستوى سيطرته على اكثر من ٦٠% من مساحة غزة، وحصر اثنان مليون في شريط ساحلي ضيق جدا، أو من خلال تشكيل ميليشيات مسلحة، تعرض المواطن وأمنه للمخاطر، وكذلك تزيد من تعقيد آليات التعامل مع هذه المليشيات المسلحة، أو من خلال تهيئة بيئة طاردة من خلال التحكم في مسيرة العمل الإغاثي، أو حتى العمل التجاري، ونوعية السلع، والأسعار، والخدمات، مما فرض حالة فساد عميقة جدا، من قبل المؤسسات الدولية، بعدما قزم، وقص أجنحة الأونروا.

أمام هذه المعطيات لابد لنا الوقوف طويلا، والتفكير طويلا، لوضع مدخلات منطقية، يتم استنتاج المخرجات الناجزة للخلوص من حالة التيه الوطني، والمجتمعي.

أتفهم وأدرك جيدا واقعنا الذي أصبحنا في مطحنته، ولابد من اختراق حاجز الإهمال، والتجاهل، وإطالة أمد الحالة، حتى لا تتكرر حالة ما بعد 1948،1967، والتماهي مع ضرورة استنهاض قوى شعبنا الحية، والإندفاع للفعل الحقيقي، ولكن كيف، ومتى؟

نعم، نحتاج حراك مجتمعي متكامل التفاصيل، ذو بصيرة عميقة، وواقعية، ومنطقية، يكون شريك ومكمل، ومنقذ، ويشكل أدلة إنقاذ لشعبنا الفلسطيني، بل ولقضيتنا الوطنية، وفق ثوابت ومحددات تنطلق من رؤية عميقة، دون الإنفعال، والإنجرار لحالة تزيد عمق الإنفلات، والإنزلاق في إطار ردات الفعل، وخلق أزمات جديدة تزيد من أزماتنا الحالية.

أكرر، نعم نحتاج حراك وطني يقوده نخب وطنية لا ترى مصالح إلا الوطن، والشعب، والتكامل مع كل مفاصل النظام السياسي الفلسطيني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى