من غزة إلى أروقة المستشفيات مصر.. رحلة ألمٍ لم تنتهِ فصولها

الخامسة للأنباء - غزة
من غزة إلى أروقة المستشفيات في مصر.. رحلة ألمٍ لم تنتهِ فصولها. إعداد: شهد فهيد البابا
في زاويةٍ موحشةٍ من غرفِ العناية. تقبع “زينة يوسف محمد كريرة ” (6 سنوات). طفلةٌ غزاها المرضُ قبل أن تغزوَ الحربُ مدينتها، لتجد نفسها محاصرةً بين تليفٍ كبديٍ ينهش أحشاءها. وذكرى والدٍ اغتالته رصاصات الغدر على سريرِ شفائه.
لم تكن “زينة” يوماً طفلةً عادية، فمنذ نعومة أظفارها وهي تحارب التهاباً مناعياً مزمنًا. لكنَّ رحلة النزوح القسري من غزة إلى مصر. حولت معركتها العلاجية إلى رحلةٍ من الجحيم، حيث تلاشت الأدوية، وتضاعفت الأوجاع، وانكسر قلبها الصغير على غياب “السند”.
بين أنين الجسد وانكسار الروح.. زينة تحارب معركتين في آنٍ واحد
تروي الأم المكلومة تفاصيل الحكاية، وعيناها تفيضان بدموعٍ تحكي قصة فقدان لا يندمل: “قبل مغادرتنا غزة، كانت زينة تعاني من التهاب كبد مناعي. وكان العلاج يسير بانتظام. لكن الحرب، بضراوتها وقسوتها، قطعت أوصال الدواء لمدة ستة أشهر كاملة.
لم يكن في غزة ما يسعف طفلتي، لتتفاقم حالتها وتصل إلى التهاب كبد وبائي والتهاب السحايا. ما أجبرنا على الخروج في رحلة بحثٍ عن أملٍ في مصر”.
بصوتٍ يتهدج، تكمل الأم: “بعد سبعة أشهر من العلاج في مستشفى حميات إمبابه. لم نجد التحسن المرجو، بل كان الوجع يتفاقم. لكن الألم الأكبر لم يكن جسدياً فحسب. بل كان في قلب زينة الصغير الذي انكسر لفقدان أبيها”.
“موتٌ يلاحق العائلة.. واستشهادٌ تحت سقف المستشفى”
تستذكر الأم اللحظات الأخيرة التي حطمت عالم “زينة”: “قبل دخولنا مصر بأسبوع واحد. خرج والده ليجلب لنا طعاماً، فأصيب في رأسه. لم يمهله القدر، فبعد أربعة أيام فقط، اقتحم جنود الاحتلال مستشفى الشفاء. وأطلقوا النار عليه وهو على سرير المرض ليصبح شهيداً، ويترك خلفه زينة التي توقفت روحها عن النمو منذ لحظة غيابه”.
“جسدٌ صغيرٌ تحاصره الأمراض”
اليوم، لا تقاتل زينة مرضها الأصلي فحسب، بل بات جسدها الصغير ساحة لمعارك طبية متعددة. تؤكد الأم أن حالة زينة تدهورت بشكلٍ مرعب، حيث تعاني الآن من:
تليف في الكبد (الدرجة الثالثة).
دهون على الكبد.
أنيميا البحر المتوسط.
تضخم حاد في الطحال.
إضافة إلى كل ذلك، تخضع “زينة” لجلسات علاج نفسي مكثفة. بعد أن أصيبت بصدمة عصبية جراء مشاهتدها لموت والدها وملاحقة الموت لعائلتها. حيث تعيش حالة من الانغلاق التام على فقدانها.
زينة.. شاهدٌ على صمت العالم
تضع الأم اليوم ملف طفلتها “زينة” أمام أعين العالم، في محاولة لكسر الصمت المطبق حول آلاف الحالات المشابهة.
إن ما تعانيه “زينة” من تليفٍ كبدي ومضاعفات صحية معقدة، هو نتاج طبيعي لبيئة قسرية قطعت عنها سبل الرعاية والكرامة. تقف الأم بصمودٍ رغم وجع الفقد ومرارة المرض، لتؤكد أن حياة “زينة” ليست رقماً في سجلات الضحايا. بل هي حياة طفلةٍ تستحق أن تُصان، وتستحق تدخلاً حقيقياً يعيد لها الحق في العلاج والحياة قبل فوات الأوان.
إن قصة زينة ليست مجرد ملف طبي، بل هي صرخة في وجه العالم الذي ترك طفلةً تعاني من مضاعفات الحرب والحصار. وهي تنتظر فقط “بصيص أمل” لإنقاذ ما تبقى من روحها وجسدها.






