تقاريرثابت

هندسة الجوع.. كيف أعادت الحرب ترتيب مائدة الغزيين؟

من الأساسيات إلى الكماليات

الخامسة للأنباء - غزة

هندسة الجوع.. كيف أعادت الحرب ترتيب مائدة الغزيين؟.. إعداد آمنة غنام

عامان ونصف عجاف مرت بهن غزة من حصار وقتل وتدمير، فتبدلت ملامح غزة مرورًا بشوارعها ومنازلها ومساجدها، وصولًا إلى موائدها، ومع اتساع رقعة الأزمة الانسانية لم يعد اختيار الطعام مرتبطًا بالرغبة أو التنوع، بل بالقدرة على تأمين ما يسد الجوع بأقل تكفلة ممكنة.

فبين ما كان يعد أساسيات الماضي أصبح من كماليات اليوم، تكشف موائد الغزيين ووجباتهم حجم التحول القاسي الذي فرضته الظروف على تفاصيل حياتهم اليومية.

وفي جولة فيما تبقى من الأسواق، تلاحظ فجوة بين المعروض والقدرة الشرائية. فاللحوم والدواجن التي كانت تتصدر الموائد أسبوعيًا إن لم يكن يوميًا، باتت اليوم خارج الحساب لغالبية العائلات.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

من أطباق إلى طبق

تقول أم إبراهيم يونس “34 عام ” _نازحة من شمال القطاع إلى مواصي خانيونس وهي تستعرض صوراً كانت قد التقطتها لموائدها قبيل الحرب.: ” كان إعداد المائد اليومية بمثابة فن بالنسبة لي كنت أعد الأكلات المختلفة. وأتبارى أنا وسلفاتي من تكون موائدها ألذ وأطباقها أكثر، لكن اليوم مع نزوحنا وقهرنا وكل خسائرنا. أصبحت موائدنا تقتصر على طبق أو طبقين بما أتيح لنا”.

أما ساجدة غنيم “40 عام” بينما تتأمل المعلبات التي تقتنيها في زاوية خيمتها. تقول :” كنت في السابق أسعى لتكون وجباتنا الغذائية متكاملة ما بين اللحوم والخضروات والفواكه، ولكن كل هذا بات رفاهية. وصحن السلطة _إن توفر _ على المائدة يكون نجمها، نظرًا لأن إعداده يحتاج ميزانية. بالإضافة إلى اعتمادنا أغلب الأيام على التكيات الخيرية التي توزع في المخيم لنقتصد في الطعام وفي الحطب لعدم وجود غاز “.

فيما يقول أبو البراء جمعة “44 عام ” _نازح من مدينة رفح_ للخامسة.: ” أنا كرب أسرة مطالب بتوفير طعام يسد رمق عائلتي ولا يخفى على أحد كارثة الأوضاع الاقتصادية التي نعيشها. فالمجاعة استنفزت كل ما نملك، والآن الأسعار مرتفعة تجعلك تقف حائرًا، هل أجلب لحم أو دجاج، أم أجعل الخضروات أولوية. والخيارين أحلاهما مر، فالأسعار تجعلني أقف عاجز، وما أكثر الأيام التي عدت لعائلتي خالي الوفاض.. لأن ما في جيبي لا يكفي ما هو معروض “.

غذاء البقاء

من جهتها أكدت أخصائية التغذية سهر ارحيّم أن ما تشهده غزة هو انتقال قسري من الغذاء المتوازن إلى غذاء البقاء. مشيرة إلى أن الأسر الغزية باتت تعتمد على النشويات والمواد الأرخص ثمنًا على حساب البروتين والخضروات. كما أن غياب غاز الطهي وقلة المواد الطازجة جعل العائلات تختار ثقافة “الأكل المعلب” الذي فرضه واقع الحرب.

وأضافت :” الأطفال والحوامل هم الأكثر تأثراً لأن نقص التنوع الغذائي ينعكس سريعًا على النمو والمناعة والصحة العامة. مؤكدًا أن المشكلة لا تكمن في الكمية فقط بل في القيمة الغذائية، إذ أن معظم من الوجبات تفتقر للعناصر الأساسية. لافتة إلى أن الكثير من العائلات لم تعد تسأل ماذا ستأكل بل كيف ستؤمن الوجبة، وهذا مؤشر على تراجع الأمن الغذائي.

وحول العوامل المحركة لتغيير الخريطة الغذائية أشارت إلى أن تدمير القطاع الزراعي حيث خرجت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية عن الخدمة مما قلص الإنتاج المحلي. إلى جانب شلل القدرة الشرائية مع شح الرواتب حيث أصبح الوصول مرتبط بالمساعدات الإنسانية. إلى جانب التضخم النقدي من ارتفاع تكاليف النقل والانتاج أدى إلى مضاعفة الأسعار.

تغيرات اضطرارية

في السياق ذاته قال الباحث والمختص بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية رامي الزايغ أنه يمكن اجمال التغيرات التي طرأت على خريطة الاستهلاك الزراعي أنها تغيرات اضطرارية. حيث اضطر المواطن لتغيير استهلاكه الغذائي بما هو متوفر من سلع في الأسواق وأيضا بما هو متناسب مع أسعار هذه السلع.

كما أكد أن ارتفاع الأسعار ونقص السلع ساهم بشكل كبير في تغيير خريطة الانفاق في الأسرة. فاضطرت الأسر إلى توجيه معظم إنفاقها إلى السلع الأساسية مثل الطحين والأرز والسكر التي تضاعفت أسعارها مئات الأضعاف. وقد تسبب هذا في خسائر جمّة للمواطنين في سواء في الدخل أو الادخار.

وحول آثار القيود التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي على المعابر وحركة التجارة. لفت الزايغ إلى أن بعد تدمير القطاع الزراعي والصناعي في غزة تعتبر المعابر هي المصدر الأساسي للسلع في غزة. لذلك فإن الاغلاق المتكرر للمعابر أو الفتح الجزئي لها واتباع نظام التقطير في المعابر من حيث عدد الشاحنات ونوعية السلع يؤثر بشكل جوهري على توفر السلع وأسعارها فمثلاً أي إغلاق يعمل على اختفاء السلعة من السوق وارتفاع أسعارها بشكل كبير. منوهًا أن التنسيقات بمبالغ باهظة جدا تصل لمئات الالاف من الدولارات والتي يتم فرضها على إدخال السلع إلى القطاع تساهم بشكل أساسي في إرتفاع الأسعار وبالتالي تعتبر من أكبر القيود على إدخال السلع.

في الإطار ذاته أكد الزايغ أن الواقع الكارثي الذي يعيشه القطاع سيُلقي آثار سلبية على الاقتصاد والمجتمع. حيث سيبقى الاقتصاد اقتصاد مغلق او اقتصاد مُتلقي يعتمد على ما يصله عبر المعابر من مساعدات وكمية واردات لا تلبي احتياجاته، مشيرًا إلى أن استمرار حالة الشلل الاقتصادي من خلال غياب أية أنشطة تجارية او زراعية او صناعية حقيقية. أما على صعيد المجتمع ستستمر خسائر المواطنين في دخولهم وادخاراتهم مما سيسبب تداعيات سلبية كبيرة عليهم على المدى الطويل. وسيبقي المواطن الغزي رهينة للسياسات الإسرائيلية المنافية للاتفاقيات والقوانين الدولية. إلى جانب التأثيرات الصحية بعيدة المدى على صحة المواطنين من خلال منع كثير من السلع الضرورية والاساسية كالبيض واللحوم والأسماك وغيرها.

استقرار الأمن الغذائي

وعند مدى فعالية المساعدات الإنسانية أو الدعم النقدي للتخفيف من الأزمة اعتبر الزايغ أن المساعدات الانسانية بشقيها المعنوي والمادي تساهم في سد العجز والتخفيف من حدة الأزمة. لكن لا يمكن اعتبار كلا منهما بديلا عن الاخر، مشدداً على أن بقاء الوضع على ما هو عليه سيُبقي حالة الفوضى والفلتان في الاسواق مما سيؤثر سلباً على كمية السلع في الأسواق وأسعارها. كما من المتوقع أن تكون هناك سلع مفقودة ونادرة، وسلع متوفرة بصورة جزئية.

فيما نوه الزايغ إلى سياسات قد تساهم في استقرار الأسعار وتحسين الأمن الغذائي منها المطالبة بتنفيذ البروتوكول المتفق عليه في اتفاق وقف إطلاق النار وهو إدخال 600 شاحنة بالحد الادنى.

إلى جانب العمل على ضبط الأسعار بشكل مستمر وحثيث من قبل الجهات ذات العلاقة، محاسبة المحتكرين من الباعة والتجار. العمل على التوزيع الجغرافي المتوازن للواردات من السلع، بالإضافة إلى العمل على استصلاح الأراضي الزراعية لتوفير سلة غذائية لسكان القطاع لتقليل الاعتماد على المعابر. وهذا يتطلب الضغط على الاحتلال لإدخال المدخلات الزراعية من بذور وأشتال ومبيدات وغيرها.

محاولة من القلب للمائدة

في لفتة لتقديم يد العون للغزيين على تجاوز محنتهم في نقص الأساسيات عن موائدهم. قدمت الشيف الأردنية ياسمين ناصر “استراتيجية بدائل المكونات المفقودة “. حيث أطلقت وصفات عبر صفاحتها على منصات التواصل الاجتماعي، تعتمد كليًا على المساعدات المتاحة بين يدين الغزيين. كما قدمت وصفات تعتمد على نار الحطب ولا تحتاج الكثير من الطهي .

حيث قدمت الشيف ياسمين هندسة البقاء وحولت المعلبات البسيطة والدقيق والخضروات البسيطة المتوافرة إلى وسيلة للصمود فوق مائدة يهددها الجوع. الأمر الذي جعلها تتعرض لتقييد حسابتها نظراً لنشاطها الداعم للشعب الفلسطيني .

الجوع المخفي

في السياق ذاته تشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 1.6 مليون شخص في غزة واجهوا مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي. وبحسب تقارير دولية، يتوقع أن يعاني أكثر من 100 ألف طفل في غزة من سوء تغذية حادة. إلى جانب عشرات الآلاف من النساء الحوامل والمرضعات المحتاجات للعلاج الغذائي .

كما يحذر أطباء غزة من ما يعرف بـ”الجوع المخفي“. حيث تمتلئ البطون بالخبز والمعلبات لكن الأجساد تفتقر للفيتامينات والبروتينات الضرورية. مما يؤدي إلى انتشار فقر الدم “الأنيميا” والهزال خاصة بين الأطفال والحوامل.

ويرى مراقبون أن استمرار هذا الواقع سيعمق الأزمات الصحية والاجتماعية والاقتصادية. مالم تتحسن ظروف الإمداد وتعزيز المساعدات وإعادة إحياء القطاع الزراعي واستعادة عجلة الاقتصاد المحلي.

لم تعد موائد الغزيين تعكس ذوق أصحابها بل مرآة لواقع اقتصادي وسياسي الأقسى منذ عقود حيث اختفت أصناف كانت تعتبر أعمدة المائدة.. انتقلت اليوم إلى الكماليات قسرًا .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى