مقالات الخامسة

الخليل.. حين تشتد العتمة تظهر معادن الرجال

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: معمر يوسف العويوي

النخوة والفزعة.. أصالة شعب تتجدد في الشدائد

تُعرف الشعوب بأصالتها، وتظهر معادن الناس الحقيقية حين تشتد المحن وتضيق السبل. وفي المجتمع الفلسطيني، وتحديدًا في مدينة الخليل، ليست النخوة والفزعة والتكافل مجرد عادات متوارثة، بل هي قيم متجذرة في الوجدان، تتوارثها الأجيال وتستيقظ بأبهى صورها عندما يحتاج الإنسان إلى أخيه الإنسان.

تمرّ الخليل اليوم بواحدة من أصعب مراحلها، في ظل ما يتعرض له المواطنون من إجراءات الاحتلال، وإخلاء العائلات من بيوتها، والتهديد الذي يطال استقرارهم وممتلكاتهم ومصادر رزقهم. إنها أوقات قاسية وليالٍ مثقلة بالخوف والقلق، لكن وسط هذه العتمة، تبرز مواقف أهل الخليل لتضيء شيئًا من الطريق، وتمنح الناس شعورًا بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة هذه المحنة.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

تفتح البيوت أبوابها للعائلات التي اضطرت إلى مغادرتها، ويحتضن الجيران جيرانهم، ويتقاسم الأقارب والأهل المساحات والإمكانات. وحين تتعرض المنازل أو المحال التجارية والمنشآت الصناعية للخطر، تهبّ الأيدي للمساعدة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الممتلكات والبضائع، في مشهد تختصره كلمة واحدة: الفزعة.

هذه هي النخوة الفلسطينية التي لا تحتاج إلى موعد، ولا تنتظر دعوة؛ نخوةٌ تحرّكها المحبة والأصالة والشعور بالمسؤولية تجاه الآخر. وهذه هي الخليل التي عرفناها عبر التاريخ؛ أهلها سندٌ لبعضهم بعضًا، وجراح الواحد فيها تستنهض ضمائر الآخرين.

إن الخير متأصل في الناس، والشدائد لا تصنع معادنهم بقدر ما تكشفها. ففي اللحظات الصعبة، تتراجع الحسابات الصغيرة، وتتقدم القيم الكبيرة، ويصبح فتح باب بيت، أو حمل قطعة أثاث، أو إنقاذ بضاعة، أو احتضان عائلة، موقفًا إنسانيًا يحمل من المعاني ما يفوق الكلمات.

قد ينجح الاحتلال في فرض العتمة على الشوارع، وفي تهديد البيوت ومصادر الرزق، لكنه لا يستطيع أن ينتزع من الناس محبتهم لبعضهم، ولا أن يطفئ روح النخوة والتكافل حين تتحول إلى فعل وموقف.

في أحلك ليالي الخليل، تظل الفزعة ضوءًا في العتمة، وتظل النخوة عنوانًا للأصالة، ويظل أهلها برهانًا على أن الإنسان لا يواجه الشدائد وحده ما دام حوله من يؤمن بأن وجعه وجع الجميع.

هذه هي الخليل.. وهذه هي فلسطين؛ شعبٌ قد تثقل كاهله المحن، لكن الخير في ناسه يبقى متجذرًا، والمحبة في قلوبهم تبقى حاضرة، والفزعة بينهم تبقى عهدًا لا تكسره الشدائد.

فحين تشتد العتمة، تظهر معادن الناس.. وحين تضيق الحياة بأهل الخليل، تتسع قلوبهم لبعضهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى