السقف الأخير..

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: رامي مهداوي
في الثانية والنصف من فجر الأربعاء، 16 أيلول 2026، لم يكن سكان “عمارة السعادة” في شارع الصناعة غربي مدينة غزة يعرفون أن ذلك سيكون آخر فجر يمرّ عليهم تحت سقفٍ، مهما كان متصدعًا، ظلّ حتى اللحظة الأخيرة يبدو أقل قسوة من العراء.
كانوا يسمعون منذ أيام أصواتًا لا تخطئها أذن: جدران تتشقق، حجارة تتساقط، وأجزاء من شقق مجاورة تنهار. كان الخوف يسكن معهم، لكن الخوف وحده لا يكفي كي يرحل الإنسان عندما لا يكون أمامه مكان آخر يذهب إليه. في غزة، لم تعد الخيارات بين بيت آمن وبيت خطر؛ صارت بين خطرٍ معروف وخطرٍ مجهول.
ثم انهارت العمارة!!
ستة طوابق، 24 شقة، وأكثر من مئة إنسان، انضغطت في لحظة واحدة فوق بعضها بعضًا. لم يعد المبنى الذي كان يؤوي عائلات مجرد جدران منهارة، بل صار كتلة من الركام تختلط فيها الحجارة بالأجساد، والأثاث بالذكريات، والصمت بأصوات الاستغاثة القادمة من تحت الأنقاض.
لم تكن “عمارة السعادة” ضحية لحظة منفردة. كانت ضحية حرب طويلة تركت وراءها مباني مجروحة، ثم تركت سكانها يعيشون داخل جراحها.
فالمبنى كان قد تعرض في وقت سابق لغارة إسرائيلية استهدفت طابقه الأرضي، ما أدى إلى إضعاف أساساته وتشقق جدرانه. ومع انهيار قطاع السكن وتكدس النازحين وانعدام البدائل، عاد عشرات الأشخاص إلى الإقامة فيه، لا لأنهم اعتقدوا أنه آمن، بل لأن البديل كان أشد قسوة: الشارع، الخيام، أو المجهول.
وبحسب آخر تحديث للدفاع المدني في غزة، كان 101 شخص داخل المبنى لحظة انهياره. تمكن 35 منهم من النجاة في اللحظات الأولى، فيما قضى 21 شخصًا، بينهم 12 طفلًا وست سيدات، وأصيب 45 آخرون. وفي مساء اليوم نفسه، أُعلن انتهاء عمليات البحث والإنقاذ وانتشال آخر من كانوا تحت الركام.
لكن انتهاء البحث لم يكن انتهاء المأساة. فانهيار “عمارة السعادة” رفع عدد ضحايا انهيارات المباني المتضررة من الحرب إلى خمسين شهيدًا، في وقت تتجاوز فيه الحصيلة العامة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، بينما طال الدمار معظم البنية التحتية في القطاع.
الأخطر من الأرقام هو ما تقوله الأرقام عن المستقبل. مسؤولو الدفاع المدني حذروا من أن ما حدث ليس بالضرورة حادثًا أخيرًا. وتشير تقديرات اتحاد البلديات في قطاع غزة إلى وجود نحو ألفي مبنى ومنزل مصنفة آيلة للسقوط، يعيش فيها فلسطينيون لا يجهلون الخطر، وإنما يفتقرون إلى القدرة على الهروب منه.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة: حين يعرف الإنسان أن منزله قد ينهار فوق رأسه، ثم يبقى فيه، فذلك لا يعني بالضرورة أنه اختار المخاطرة. أحيانًا يكون البقاء نفسه آخر أشكال العجز.
في غزة، صار السقف نعمة وخطرًا في الوقت ذاته. ولا تتوقف المأساة عند هشاشة الأبنية. فعندما ينهار مبنى، تبدأ معركة أخرى تحت الركام. الدفاع المدني يعمل، وفق مسؤوليه، بإمكانات محدودة وأدوات بدائية، في ظل صعوبات وقيود على إدخال الآليات الثقيلة. وتقول إسرائيل إن القيود مرتبطة باعتبارات أمنية ومنع وصول المعدات إلى جماعات مسلحة، فيما يرى مسؤولون فلسطينيون وأمميون أن تأخير معدات الإنقاذ يضاعف احتمالات موت أشخاص كان يمكن إنقاذهم.
وفي نظام إنقاذ لا يملك رفاهية الوقت، تصبح الدقيقة الواحدة مسألة حياة أو موت. ومع خروج نسبة كبيرة من سيارات الإسعاف عن الخدمة، تصبح الكارثة مضاعفة: مبنى ينهار، وناجون يُنتشلون، ثم تبدأ معركة جديدة للوصول بهم إلى الرعاية الطبية.
لهذا لا ينبغي النظر إلى “عمارة السعادة” بوصفها حادثة انتهت بانتهاء عمليات الانتشال. إنها جرس إنذار. هناك ألفا مبنى أخرى تقريبًا تقف في المنطقة الرمادية بين الحياة والموت. وكل واحد منها قد يتحول، في أي لحظة، إلى “عمارة سعادة” جديدة.
المطلوب ليس انتظار الكارثة التالية ثم عدّ الضحايا. المطلوب مسح هندسي عاجل وشامل لكل المباني المصنفة خطرة، وترتيبها وفق درجة التهديد، وإخلاء الحالات الأكثر خطورة فورًا، بالتوازي مع توفير أماكن إيواء بديلة وآمنة، ولو بصورة مؤقتة.
كما أن إدخال معدات الإنقاذ الثقيلة وإعادة تأهيل سيارات الإسعاف ليسا ترفًا إغاثيًا، بل ضرورة لإنقاذ الأرواح. أما ترك العائلات أمام معادلة “ابقَ تحت سقف قد ينهار أو اخرج إلى العراء”، فهو ليس حلًا، بل تأجيل للمأساة.
“عمارة السعادة” لم تسقط من السماء. لقد سقطت من تراكم طويل للجراح، ومن مبنى أصيب ولم يُرمم، وعائلة نزحت ولم تجد مأوى، ومنظومة إنقاذ تعمل بأقل من حاجتها، ومدينة استُنزفت بنيتها حتى صار الخطر جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.
غزة لا تحتاج إلى من يخبرها أن بيوتها خطرة؛ أهلها يعرفون ذلك أكثر من أي أحد. ما تحتاجه هو أن يجدوا مكانًا آمنًا يذهبون إليه. فالمأساة الحقيقية ليست أن ينهار بيت. المأساة أن يعرف أهله أنه سينهار، ثم لا يجدون مكانًا آخر ينامون فيه.
هذا المقال إهداء الى أرواح شهداء وجرحى عمارة السعادة.





